الصفحة 11 من 26

مباح الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ على ظاهر الحديث المحفوظ لميمونة، وهذا مما احتج به أحمد أنه ليس فيه ذكر الدباغ [1] .

فالأقوال في جلود الميتة ثلاثة: الرخصة مطلقًا على حديث ميمونة، والنهي مطلقًا لحديث ابن عكيم، والتفريق بين ما قبل الدباغ وبعده وهو أعدل الأقوال.

والدليل على أنَّ الجلد لم يحرم أول الإسلام أن لفظ الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بشاة ميتة فقال: «هلاّ استمتعتم بإهابها» قالوا: يا رسول الله إنها ميتة. قال «إنما حرم أكلها» . وفي رواية لمسلم «ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به» [2] .

(1) قال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (11/ 125) عن حديث ابن عكيم: وقد يجاب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن هذه الزيادة لم يذكرها أحد من أهل السنن في هذا الحديث، وإنما ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: لا تنتفعوا من الميتة ... الحديث. وإنما ذكرها الدارقطني، وقد رواه خالد الحذاء وشعبة عن الحكم فلم يذكرا: كنت رخصت لكم. فهذه اللفظة في ثبوتها شيء. والوجه الثاني: أن الرخصة كانت مطلقة غير مقيدة بالدباغ، وليس في حديث الزهري ذكر الدباغ، ولهذا كان ينكره ويقول: نستمتع بالجلد على كل حال. فهذا هو الذي نهى عنه أخيرًا، وأحاديث الدباغ قسم آخر لم يتناولها النهي، وليست بناسخة ولا منسوخة وهذه أحسن الطرق. ولا يعارض من ذلك نهيه عن جلود السباع فإنه نهى عن ملابستها باللبس والافتراش كما نهى عن أكل لحومها لما في أكلها ولبس جلودها من المفسدة، وهذا حكم ليس بمنسوخ ولا ناسخ أيضًا، وإنما هو حكم ابتدائي رافع لحكم الاستصحاب الأصلي، وبهذه الطريقة تأتلف السنن وتستقر كل سنة منها في مستقرها، وبالله التوفيق.

(2) تقدم تخريج رواية الصحيحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت