الصفحة 3693 من 5754

وبعد: فإن نوعَ الأدبِ نوعٌ يتفاوتُ كثرةَ شُعَبٍ وقِلَّةً، وصعوبةَ فنونٍ وسهولةً، وتباعُدَ طرفين وتدانيًا بحسب حظِّ مُتوليهِ من سائر العلوم كمالًا ونقصانًا، وكفاءِ منزلته هنالك ارتفاعًا وانحطاطًا، وقدْرِ مجاله فيها سَعةً وضِيقًا، ولذلك ترى المُعتنين بشأنه على مراتبَ مختلفةٍ فمن صاحب أدبٍ تراه يرجع منه إلى نوع أو نوعين لا يستطيع أن يتخطى ذلك، ومن آخَرَ تراه يرجع على ما شئت من أنواع مربوطةٍ في مضمار اختلافٍ، فمن نوعٍ لَيِّنُ الشكيمةِ سلسُ المَقادِ يكفي في اقتيادِهِ بعضُ قوّةٍ، وأدنى تمييزٍ، ومِن آخر هو بعيدُ المأخذِ، نأي المطلب، رهينُ الارتياد بمزيد ذكاءٍ، وفضل قوَّةِ طَبْعٍ. ومن آخر كالملزوز في قَرَنهِ، ومن رابع لا يملك إلا بِعُدَدٍ متكاثرةٍ مع فضلٍ إلهيٍّ في ضمن ممارساتٍ كثيرةٍ ومُراجعاتٍ طويلةٍ لاشتماله على فنونٍ مُتنافيةِ الأصولِ، مُتباينةِ الفُروعِ، متغايرة الجَنَىْ ترى مبنى البعض على لطائف المناسبات المستخرجة بقوَّة القرائحِ والأذهانِ، وترى مبنى البعض على التحقيق البحت، وتحكيم العقل، والصرف والتحرز عن شوائب الاحتمال، ومن آخر رَيِّضٍ لا يرتاضُ إلا بمشيئة خالق الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت