الصفحة 704 من 5754

الشُّمُوسَ الطوالِعَ. وطال الأمرُ في ذلك سِنين، وعمَّ الكربُ حتى كَثُرَ الأنينُ، والتضرُّعُ في الدُّعاءِ والحنين، وثبّت الله، ورزق الصبر والأناة، حتى اكتمل هذا الكتاب، على ما تراه من الحسن والصواب.

وقد قلتُ مادحًا للكتاب المذكور، بما أبانَ عنه من عَجائبِ الْمَقدُور، وغرائب الأمور، شارحًا لحالي، وحالِهِم وظَفَرِ آمالي، وخيبةِ آمالِهِم من مجزوء الرجز، وضَرْبُهُ مَقطوعٌ، والقافية مُتواتِرٌ مُطلق مُجرَّد، مُسمِّياًّ له بـ لأن جُلَّ مقصودِهِ بيانُ ارتباطِ الْجُمَلِ بعضها ببعضٍ حتى أنَّ كُلَّ جُملَةٍ تكون آخذةً بِحجزةِ ما أمامَها مُتَّصِلةً بِها، وذلك هو المظهرُ المقصودُ من الكلام وسِرِّهِ ولُبابِهِ، الذي هو للكلامِ بمنزلةِ الروحِ وبيان معاني المفردات، وكلّ جُملةٍ على حِيالِها بمنزِلَةِ الْجَسَدِ، فالروحُ هو المقصودُ الأعظمُ يُدرِكُ ذلك مَنَ يذوقُ ويَفْهَم، ويَسري ذهْنُهُ في ميادين التراكيب ويَعْلَم، و (لَمَّا) ظَرْفٌ يُراد بِها ثُبُوتُ الثاني مما تدخُلُ عليه بثوتِ الأوَّلِ على غايةِ الْمُكْنَةِ بِمعنى: أنها كالشروط تطلبُ جُملتين يلزم من وجود أُولاهما حصول مضمون الثانية، فالجملة الأولى ملزوم، والثانيةُ لازمٌ لذلك الملزوم، فسمّي الكتاب في هذا النظم بـ (لَمَّا) لأني أكثرتُ مِن استعمالِها فيه لهذا الغرض:

هذا كتابُ لَمَّا ... لَمَّ المعاني لَمَّا

غدتْ بحورُ عِلمِهِ ... تمدُّ مداًّ جَمَّا

بشَّرتُ مَن يحسدُهُ ... بأن يموتَ غَمَّا

فإنَّ قصدي صالِحٌ ... جاهدتُ فيه الْهَمَّا

فَرَبُّنَا يَقْبَلُهُ ... كَيفيَّةً وكَمَّا

فبالذي أردتُهُ ... لقد أحاطَ عِلما

كابدتُ فيه زمنا ... من حاسِدي ما غمّا

عدُّوا سنين عددا ... يَسقون قلبي السُّمَّا

وكمْ دَهُوني مرَّةً ... وكم رَمُوني سَهْما

وأوسقوا قلبي أذىً ... وأوسعوني ذَمَّا

وكم بغَوْني عَثرةً ... فما رَأوا لي جُرْمَا

وفتّروا من قاصِدِيّ ... هِمّةً وعزْمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت