فهرس الكتاب
فيا أيُّها الناظر اعملْ فيه بشرطِ الواقِفِ مِن استيفاءِ النظرِ بِعَيْنِ العِناية وكمال الدِّراية، لا يَحْمِلُك احتقارُ مؤلِّفِهِ على التَّعَسُّفِ، ولا الخطأ النفساني على أنْ يكونَ لك عن الحق تَخلُّف، فإنْ عثرتَ منه على هفوةٍ أوْ هَفَوات، أو صدرتْ فيه عني كبوةٌ أو كَبَوات، فما أنا بالمتحاشي عن الخلل، ولا بالمعصومِ عن الزلل، ولا هو بأوّلِ قارورةٍ كُسِرَتْ، ولا شُبهة مدفوعة زُبِرَتْ، ومَنْ تفرَّدَ في سُلوك السبيل، لا يأمَن مِن أنْ ينالَهُ أمْرٌ وَبِيْل، ومَن توحَّد بالذهابِ في الشعابِ والقِفار، فلا يَبعد أنْ تلقاهُ الأهوال الصعابُ والأخطار. وكُلُّ أحدٍ مأخوذٌ من قولِهِ ومَتروك [1] ، ومدفوع إلى منهجٍ مع خطرِ الخطأِ مَسلوك. ولا يسلَم مِن الخطأ إلا مَن جعل التوفيق دليله في مفترقات السُّبُل، وهُم الأنبياء والرُّسُل، على أَنِّي عَلَّقْتُهُ باستعجالٍ في مُدَّةِ الْحَمْلِ والفِصَال، والخواطِر كَسِيرة، وعَيْن الفُؤادِ غَيْر قريرة، والقرَائِح قَرِيْحَة.
(1) قال الإمام مالك رَحِمَهُ اللهُ قولته تلك، وهو ككل الأئمة موقر ما يقول أكبر توقير، ولكنه ليس بالمقدس، فهو نفسه يقول: ما مِن عالم إلا وفي عِلمه مأخوذ ومتروك، إلّا صاحب هذا القبر. يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين قيل له عن خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه: إنه امتنع من أداء الصدقة. قال له ما معناه: إنه أوقف كل ما يملك، إنه أوقف عتاده في سبيل الله، وفي سبيل الله لا يعني المجاهدين، كما يظن البعض، وإنما يعني كل ما يؤدي إلى الجهاد أو يهيئ له، ومن ذلك إنشاء العتاد، ومن ذلك تقوية اقتصاد الأمة لئلا تقع تحت نفوذ اقتصاد الأمم الأخرى.