الصفحة 862 من 5754

واستولى عليها مَن جرّد على العلماء سيف العدوان، فهاجر بعضهم، وقتلوا بعضًا، واستبدلوا بالعلم وبالعلماء رفضةً ورفضًا، فلم أزل أجوب كل تنُّوفة، وأقتحم كل مَخوفة، وصرت ابن كل تُربة، وأخا كلّ غربة، حتى انتهى سيري ببلاد السند والهند، أرض وقع عليها هبوط أبي البشر بعدما قصده إبليس، فوقع بيني وبين سلاطينها إيلاف وائتلاف، وإيناس واستئناس، وبنيت بناء الإقامة في ساحتهم، وأراحني الدهر بميامن راحتهم، واشتغلت سنين بنشر المعارف، وإفادة اللطائف، ومدّ باع الجدال، وبسط كفّ القِيل والقال، ونصْب أعلام الفتاوي، ورفع شُبَه الجاهل والغاوي، ووقّعت في أكثر الفنون بتسويد الحواشي والشروح والمتون، وتحرير الرسائل في تحقيق مُعضلات المسائل، وحين أردت تبييض المسوّدات في صحائف الأوراق حتى تطير بأجنحةِ الاشتهار في أقطار الآفاق، فإذا أظهر الزمان سوء طويتها، وأبدى الدهر الخوان أثر سجيتها، فانفصم سلك تلك الانضمامات، وسقطت أمورنا المنتظمة عن الانتظامات، فصبرت على قلق في الأحشاء، ورضيت نفسي إذ ناداني مناد الإقبال، ودعاني منه داع السعادة والجلال بالنقل إلى أحبّ البلاد إليه، والتوجه إلى أكرمها وأعزها عليه، فتشرفت بإدراك الركن والمقام، وحج البيت الحرام، فاستسعدت بجواره، وفزت بزيارة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، وقبّلت تُربة مزاره، وكتبت شرحًا على كتاب شمائل النبي الذي جمعه الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي ... فأُلهمت بالتوجه إلى عتبة سلطان عظيم الشان يميز العلماء عن الغير، قال: يا أيها الناس علمنا منطق الطير. وجعل هذا الكتاب معنونًا بلقبه العالي أعلى الألقاب لشمل فيض شمائل سيد المرسلين أيام سلطنته، ويقترن بركة ذِكر أوصافه الكريمة بعهد معدلته، وما هو إلا خليفة الله في الأرضين، وظلّ رحمته على العالمين، ناصب لواء الرأفة في أمور الدنيا والدين، محيي مراسم الخلفاء الراشدين ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت