بسم الله الرحمن الرحيم
عن سلمة بن نفيل الكندي قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: يا رسول الله أذال الناس الخيل ووضعوا السلاح وقالوا لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله بوجهه وقال: (كذبوا الآن الآن جاء القتال ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله) [1] .
وفي الحديث بيان بقاء الجهاد إلى قيام الساعة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الصغار والذلة على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم) فبالسيف الناصر والكتاب الهادي عزّ الإسلام وظهر في مشارق الأرض ومغاربها ... وفي صفة رسول الله في الكتب المتقدمة"بيده قضيب الأدب"، فبعث الله رسوله ليقهر به أعداءه ومن خالف أمره، فالسيف من أعظم ما يعتمد في الحرب عليه ويرهب به العدوّ وينصر الدّين ويذل الله الكافرين فالسيوف عزّ لأهلها وسلطان.
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من علم الرمي ثم تركه فليس منا أوقد عصى) : (وفي ذلك إشعار بأن من أدرك نوعا من أنواع القتال التي ينتفع بها في الجهاد في سبيل الله ثم تساهل في ذلك حتى تركه كان إثما شديدا لأن ترك العناية بذلك يدل على ترك العناية بالجهاد، وترك العناية بالجهاد يدل على ترك العناية بالدين لكونه سنامه وبه قام) اهـ.
بعد عقود من الزمن غاب فيها الإسلام عن القيادة، ها هي سيوف الإسلام تُسلّ من جديد على المرتدين والكفار والمنافقين، تُسلّ حتى يعبد الله وحده لا شريك له، ولكن العجيب أنه رغم نصوص الكتاب والسنّة الدالة على أن الخير والعزّ في هذه السيوف يزعم الزاعمون أنها تهلكة للإسلام والمسلمين.
وكأنهم لم يقرؤوا حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه من حديث أسلم بن يزيد قال: (كنا بالقسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه، لا إله إلا الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها وفأنزل الله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد) .
قال أبو عمران: (فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية) [2] .
إننا في عصر ترك فيه أكثر المسلمين الجهاد في سبيل الله وصار قادتهم يهرولون نحو صلح ذليل مع عدوّ سلب الأرض وهتك العرض، ويسمّون ذلك سلاما، ويعلنون في كل حين أن ذلك السلام هو خيارهم الوحيد.
وقد صحّ في الحديث؛ أن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.
قال الحافظ بن حجر: (وفيه أيضا بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون) [3] .
ومعنى ذلك؛ بطلان القول بأن الأمة ترجع إلى حالة من الاستضعاف كالتي كان عليها المسلمون في العصر المكّي، بحيث يكون فرض الجميع هو العفو والصلح.
فكان من مقتضى النّصح للأمّة؛ تعريف المسلمين بأن الأصل هو قيامهم بواجب الجهاد وأن عدم القيام به هو الاستثناء الذي لا يكون إلا لعارض يجب السعي الحثيث في إزالته، وأنه لا يجوز أن تصبح مقولة؛ إننا في عصر استضعاف، مشجبا يعلّق عليه المسلمون تقصيرهم وإهمالهم في القيام بما أوجبه الله عليهم من الجهاد والإعداد [4] .
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه به مات على شعبة من نفاق) [5] .
وفي الحديث دليل على وجوب العزم على الجهاد.
في عصرنا الحاضر تطورت وسائل محاربة الدّين واستحدثت وسائل جديدة مثل المؤتمرات العالمية أو الإقليمية لوضع الخطط والنظريات لمقاومة الدّين ووضع استراتيجيات طويلة المدى للقضاء على الأصولية والتطرّف والإرهاب فتخطيط أهل زماننا أغلظ وأعظم من تخطيط السابقين ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
ومن خططهم استحداث تيارات ترفع شعار الإسلام من أجل الضرب من الداخل لها طروحات معيّنة وأهداف منها شقّ الصحوة [6] ... هذه التيارات التي تسبح في فلك الطواغيت أصبح من أكبر أهدافها إجهاض الجهاد الذي أصبح يقضّ مضاجع الطواغيت قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} ، ومن المكر السيّء الذي لا ينتهي مسلسله ما دأبت عليه حكومات الطواغيت الحاكمين بغير شريعة رب العالمين، من استدراج القيادات الإسلامية إلى التنازل عن مفاهيم الإسلام الأساسية خاصة فريضة الجهاد في سبيل الله باسم الحوار والتفاوض [7] .
فها هو الطاغوت يرفع شعار المصالحة والعفو الشامل وهم يؤيّدون ..."فلو رأيتهم مساكين يرثى لحالهم وضياعهم وهم يتواثبون ويقفزون، والله أعلم بما يوعون، لأدركت منهم الخفة والطيش في أحلام طير، وهذا شأن من يخفق على غير قاعدة، ولو حاججت الواحد منهم لما رأيت عنده إلا قطعة القماس يتدثّر بها على غير بصيرة، فيصل إلى عقول السذّج من باب الغيرة نصرة السنّة وحدة الأمة، وهم أول من يضع رأس المعول لهدمها" [8] .
لقد كتب علماء الجهاد ودعاته وسال الدم والمداد لإبطال زيف هؤلاء"وقد أوعبت الأمة في كل فن من فنون العلم إيعابا، فمن نوّر الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالا" [9] .
وعلى اعتباري واحد من المجاهدين في سبيل الله؛ {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} أردت أن أشارك في هذا المسعى المشكور - جهادا بقلمي - محررا هذه الرسالة، وحسبي فيها أني جمعت ورتّبت ما جاء منجّما في كتب أهل العلم والدعوة تسهيلا للانتفاع به إذا جمع [10] .
أبو الحسن رشيد
الجماعة السلفية للدعوة والقتال
الطبعة الأولى، جمادى الأولى/1427 هـ
[1] أخرجه النسائي وأحمد والطبراني والبخاري في التاريخ الكبير، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، 1935.
[2] أخرجه أبو داود.
[3] فتح الباري: 6/ 56.
[4] مراحل تشريع الجهاد، عبد الآخر حماد الغنيمي، من 31 و 35، بتصرف.
[5] مسلم عن أبي هريرة.
[6] الرد على الحلبي، المقدسي.
[7] الحوار مع الطواغيت مقبرة الدعاة، أيمن الظواهري: ص1.
[8] تصنيف الناس، بكر أبو زيد: ص40.
[9] مجموع الفتاوى: 10/ 665.
[10] تعمدت الإكثار من النقول لسببين؛ الأول: لتكون تلك النقول شارحة لبعضها البعض، الثاني: ليعلم القارئ الكريم أن ما نحن عليه من قناعات ليست وليدة السجون والظروف العصيبة وإنما كتبها علماء كان أكثرهم بعيدا عن ضيق السجن ولهيب المعركة.