الصفحة 9 من 44

حين نتكلم عن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله نُنبز بوصف الإرهاب والتطرّف والتكفير بذلك.

اعلم وفقنا الله وإياك إلى العلم النافع والعمل به؛ أن موضوع التكفير كحكم شرعي من أحكام الدّين، مع أهميته وضرورته وتعلق كثير من المسائل والأحكام به، هو موضوع خطير بالغ الخطورة، تترتب عليه أثاره الكثيرة في الدنيا والآخرة، وقد قصّر في معرفته أقوام فزلّت فيه أقدام وضلّت فيه أفهام.

قال شيخ الإسلام: (اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدنيا والآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الآخرة) [52] .

وقال أيضا: (فإن الخطأ في اسم الإيمان؛ ليس كالخطأ في اسم محدث، ولا كالخطأ في غيره من الأسماء، إذ كانت أحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق) [53] .

ونقل القاضي عياض عن أبي المعالي قوله: (أن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم؛ عظيم في الدّين) .

والمتابع لموضوع التكفير في كتب الفقه - على سبيل المثال - يرى بوضوح تعلق كثير من المسائل والأحكام به، ويعرف أهمية الموضوع وخطورته حقا، خدّ - مثلا - في أحوال الحكام وما يتعلق بهم - وهو موضوعنا:

حيث تجب موالاة الحاكم المسلم ونصرته وطاعته، ولا يجوز الخروج عليه ما لم يظهر كفرا بواحا ... أما الحاكم الكافر؛ فلا تجوز بيعته ولا تحل نصرته ولا موالاته ولا يحل القتال تحت رايته ولا الصلاة خلفه ولا التحاكم إليه ولا تصحّ ولايته على مسلم، بل يجب منازعته والسعي في خلعه وإقامة الحاكم المسلم مكانه، ويتفرع من ذلك؛ كفر من تولاّه أو نصر كفره.

وفي أحكام الولاية؛ لا تصح ولاية الكافر على المسلم، فلا يصح أن يكون الكافر واليا أو قاضيا للمسلمين.

وفي أحكام القتال؛ يفرّق بين قتال الكفار والمشركين والمرتدين وبين قتال المسلمين من البغاة والعصاة.

وفي أحكام الولاء والبراء؛ تجب موالاة المسلم وتحرم موالاة الكافر أو نصرته على المسلمين، بل تجب البراءة منه وبغضه.

ولك أن تتأمل ما يترتب من مفاسد ومحاذير ومنكرات بسبب خلط أحكام المسلمين بأحكام الكفار فيما تقدم من الأمثلة.

"لا يُستغرب من عبيد القوانين حين يسوون بين المسلم والكافر، ولذلك ألغوا من دساتيرهم أي أثر للدين في التفريق والتمييز بين الناس ... وإنما المستغرب الذي يثير العجب؛ أن يقع في شيء من ذلك كثير من المنتسبين إلى الدعوة والدّين، فيموت عندهم التمييز بين المسلمين والكفار، وذلك بإهمالهم لأحكام التكفير وإعراضهم عن تعلّمها وعن النظر في أحكام الواقع الذي يعيشون فيه وحكم الحكام المتسلطين فيه وحكم أنصارهم وأوليائهم" [54] .

فما فتئ كثير منهم - بسبب ذلك - أن صاروا للطواغيت جندا محضرين وأذنابا مخلصين، وما المانع؟ فهؤلاء الحكام عندهم مسلمون! وفي المقابل شنوا الغارة على كل موحد وداعية ومجاهد وقف في وجه أولئك الطواغيت ... هكذا وبهذا التأصيل المنحرف عن جادة السلف ... وبهذا الأخذ المشوه لنصوص الشريعة في غياهب ظلمات العماية في واقع هذه الحكومات، وباستخفافهم وإعراضهم عن تعلم أحكام التكفير؛ والوا الطواغيت والمشركين وعادوا المؤمنين والموحدين، وتركوا أهل الأوثان وأغاروا على أهل الإسلام، إذ أن فساد فَهْم الأصول - إضافةً إلى جهل مدقع في الواقع - يوجب فساد تطبيقها في الفروع، ويثمر ضلالًا عن الجادة والمنهاج [55] .

إن معرفة كفر الحاكم؛ مدعاة إلى العمل الجاد والإعداد الذي يُمكن في يوم من الأيام من تغييره ... بخلاف من كان الحاكم عنده مسلمًا، فإنه لن يرفع بذلك رأسًا - كما هو واقع مرجئة العصر في هذا الزمان -

فاختلاف الحكم على الحاكم عند كل فريق؛ هو الفرقان والميزان الذي يزن سلوك كل فريق ويميز توجهه وصبغته، ما بين موحد كافر بالطاغوت معادٍ له، أو مجتنب على أقل الأحوال ... وما بين مبايع له مناصر، أو مجادل عن باطله مهون من كفرياته [56] .

[52] مجموع الفتاوى: 12/ 251.

[53] مجموع الفتاوى: 7/ 246.

[54] وقد بين ابن القيم؛ أن المفتي لا يتمكن من الفتوى إلا بنوعين من الفهم، فهم الواقع وفهم الواجب فيه وهو حكم الله الذي حكم به انظر أعلام الموقعين: 1/ 187، لكن ضعف العلم ثغرة للشبهات وضعف الإخلاص ثغرة للشهوات والاستسلام للشبهات والشهوات مطية الهوى ومركب الضلال، الثلاثينية: ص98.

[55] ومن هذا تدرك السر في تقديم حقيقة تلك المفاهيم التي ذكرنا.

[56] انظر الرسالة الثلاثينية في التحذيرمن الغلو في التكفير: 16 - 21، 86 - 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت