الصفحة 8 من 44

وأحبار سوء ورهبانها ... بعد أن ذكرنا معنى التوحيد والإله والطاغوت، فلكي يدرك المرء في أي ملّة هو، وعلى أي دين لا بد أن يعرف معنى كلمة الدّين.

جاء في"لسان العرب"معنى كلمة الدين: (الدَّيان؛ من أسماء الله عز وجل، معناه الحكَم القاضي، والدين؛ الجزاء، ويوم الدين؛ يوم الجزاء، والدين؛ الطاعة، والدين؛ العادة، والدين لله من هذا إنما هو طاعته والتعبد له، وفي التنزيل العزيز: {مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} ، قال قتادة:"في قضاء الملك"، ودِنتُه؛ سُسْتُه، والدين؛ السلطان، وفي حديث الخوارج:"يمرقون من الدين مُروقَ السهم من الرميَّة"، قال الخطابي:"أراد بالدين الطاعة أي أنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة) اهـ بتصرف."

قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} .

قال ابن تيمية: (والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله، وجب القتال حتى يكون كله لله) [47] .

وقال ابن جرير في التفسير: (وحتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره) .

قال المودودي رحمه الله: (المراد بـ"الدين"في جميع هذه الآيات هو القانون والحدود، والشرع والطريقة والنظام الفكري والعملي الذي يتقيد به الإنسان، فإن كانت السلطة التي يستند إليها المرء لاتباعه قانونا من القوانين، أو نظاما من النظم سلطة الله تعالى؛ فالمرء لا شك في دين الله عز وجل، وأما إن كانت تلك السلطة سلطة ملك من الملوك؛ فالمرء في دين الملك) [48] .

قال الشنقيطي في"الأضواء": (الدّين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه) [49] .

وفي قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} ، قال سيد قطب رحمه الله: (وبملاحظة جميع ما ورد في القرآن من تفاصيل لقصة موسى عليه السلام وفرعون، لا يبقى من شك في أن كلمة"الدين"لم ترد في تلك الآيات بمعنى النحلة والديانة فحسب، أريد بها الدولة ونظام المدينة أيضا، فكان مما يخشاه فرعون ويعلنه: أنه إن نجح موسى عليه السلام في دعوته، فإن الدولة ستزول وإن نظام الحياة القائم على حاكمية الفراعنة والقوانين والتقاليد الرائجة سيقتلع من أصله) .

وقال: (والتحليل والتحريم - أي الحظر والإباحة - هو الشريعة، هو الدين، فإذا كان الذي يحلل هو الله، فالناس إذن في دين الله، وإن كان الذي يحرم أو يحلل أحد غير الله، فالناس إذن يدينون لهذا الأحد، وهم إذن في دينه لا في دين الله، والمسألة على هذا الوضع هي مسألة الألوهية وخصائصها، وهي مسألة الدين ومفهومه، وهي مسألة الإيمان وحدوده، فلينظر المسلمون في أنحاء الأرض أين هم من هذا الأمر؟ أين هم من هذا الدين؟ وأين هم من الإسلام وإن كانوا ما يزالون يصرون على ادعائهم للإسلام!) [50] .

فائدة:

إن كل الغبش والغموض والتميّع الذي طال المفاهيم - التي سلف ذكرها -؛ يتحمّل مسؤوليته بالدرجة الأولى العلماء والحكام، فالفساد يدخل العالم من ثلاث فرق، كما قال ابن المبارك رحمه الله:

وهل أفسد الدّين إلاّ الملوك

-فالملوك الجائرة؛ يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة ويعارضونها بها ويقدّمونها على حكم الله ورسوله.

-وأحبار السوء؛ وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بأرائهم وأقيستهم الفاسدة المتضمّنة تحليل ما حرّم الله ورسوله وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبره، ونحو ذلك.

-والرهبان؛ وهم جهال المتصوفة المعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالذواق والمواجيذ ... المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه [51] .

[47] الفتاوى: 28/ 544.

[48] الكتاب القيم المصطلحات الأربعة في القرآن: ص125.

[49] أضواء البيان: 7/ 162.

[50] طريق الدعوة في ظلال القرآن: 2/ 170 و 179.

[51] بتصرف من شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت