الصفحة 25 من 44

"لا يليق بمن يواجه أعداء الدين ويسعى لتقويض باطلهم؛ أن يهمل معرفة حكم الله فيهم قبل ذلك، فيكون أعمشا في نظرته إليهم يحسن الظن بهم أو يظنهم داخل دائرة الدّين ... ومن العلم والفهم الذي يجب أن يتزود به أصحاب هذه الطائفة القائمة بأمر الله ويعينهم على عدم التضرر بالأعداء والمخالفين، استبانة سبيل المجرمين فقد فصّل الله تعالى لنا الآيات البيّنات لأجل هذا المقصد العظيم ... {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} " [181] .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (دين النبي صلى الله عليه وسلم؛ التوحيد، وهو معرفة لا إله إلا الله محمّد رسول الله والعمل بمقتضاهما، فإن قيل: كل النّاس يقولونها؟! قيل: منهم من يقولها ويحسب معناها أنه لا يخلق إلا الله ولا يرزق إلا الله، وأشباه ذلك ومنهم من لا يفهم معناها، ومنهم من لا يعمل بمقتضاها، ومنهم من لا يعقل حقيقتها، وأعجب من ذلك من عرفها من وجه، وعاداها وأهلها من وجه، وأعجب منه من أحبها وانتسب إلى أهلها ... ولم يفرق بين أوليائها وأعدائها، يا سبحان الله أتكون طائفتان مختلفتان في دين واحد وكلهم على الحق؟! كلا والله فماذا بعد الحق إلا الضلال) اهـ.

وفي هذا يقول ابن القيم:(قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} ، وقال: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ، والله تعالى قد بيّن في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة وسبيل المجرمين مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء، والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلّى سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما وأوضحهما وبيّنهما غاية البيان.

فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية فاستبانت لهم السبيل فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للنّاس وأنصحهم لهم وهم الأدلاّء الهداة.

وبذلك برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم إلى يوم القيامة فهم نشأوا في سبيل الضلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى الهلاك وعرفوها مفصلة ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى، وصراط الله المستقيم فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى النور التام ومن الشرك إلى التوحيد ومن الجهل إلى العلم ومن الغي إلى الرشاد، فعرفوا مقدار ما نالوه، فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه ونفرة وبغضا لما انتقلوا عنه وكانوا أحب النّاس في التوحيد والإيمان والإسلام وأبغض النّاس في ضده عالمين بالسبيل على التفصيل.

وأمّا من جاء بعد الصحابة فمنهم من نشأ في الإسلام غير عالم تفصيل ضده فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين، فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، هذا من كمال علم عمر رضي الله عنه.

فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها - وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم - فإنه من الجاهلية فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل.

فمن لم يعرف سبيل المجرمين، ولم تستبن له؛ أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمّة من أمور كثيرة في باب الإعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار أدخلها من لا يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين ودعا إليها وكفّر من خالفها واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم ... ) .

إلى أن قال: ( ... والمقصود أن الله سبحانه يحب أن تعرف سبيل أعدائه لتجتنب وتبغض كما يحب أن تعرف سبيل أوليائه لتحب وتسلك وفي هذه المعرفة من الفوائد والأسرار ما لا يعلمه إلا الله) [182] اهـ.

"ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم ... أنها تتمثل في وجود أقوام من النّاس من سلالات المسلمين في أوطان كانت في يوم من الأيام دارا للإسلام، يسيطر عليها دين الله وتحكمها شريعته، ثم إذا هذه الأرض وإذا هذه الأقوام تهجر الإسلام حقيقة وتعلنه اسما، إذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقادا وواقعا، وإن ظنت أنها تدين بالإسلام ..."

فالإسلام شهادة أن لا إله إلا الله تتمثل في الإعتقاد بأن الله وحده الذي يتلقّى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شؤون حياتهم كلّها ... وأيما فرد لم يشهد أن لا إله إلا الله بهذا المدلول فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد، كائنا ما كان اسمه ولقبه ونسبه، وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة أن لا إله إلا الله بهذا المدلول، فهي أرض لم تدن بدين الله وتدخل في الإسلام بعد، في الأرض اليوم أقوام من النّاس أسماؤهم أسماء المسلمين وهم من سلالات المسلمين، وفيها أوطان كانت في يوم من الأيام دار إسلام ... ولكن لا الأقوام اليوم تشهد أن لا إله إلا الله بذلك المدلول، ولا الأوطان اليوم تدين بمقتضى هذا المدلول ...

وهذا أشق ما تواجه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام، أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين وطريق المشركين، واختلاط الشارات والعناوين والتباس الأسماء والصفات والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق ...

ويعرف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة، فيعكفون عليها توسيعا وتمييعا وتلبيسا وتخليطا حتّى يصبح الجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام ... تهمة تكفير المسلمين ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر المرجع لعرف النّاس واصطلاحاتهم لا إلى قول الله وإلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن الإسلام ليس بهذا التمييع الذي يظنه المخدوعون ... الإسلام بيّن شهادة أن لا إله إلا الله بذلك المدلول، فمن علم يشهد حقا على هذا النحو، ومن لم يُقمها في الحياة على هذا النحو فحكم الله ورسوله فيه أنه من الكافرين الظالمين الفاسقين المجرمين" [183] ."

فـ"استبانة سبيل المجرمين؛ هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات، ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف الكفار والمجرمين وفي أساليبهم المتعددة والمتنوعة ترتد غبشا وشبهة في موقف المؤمنين، فهما صفحتان متقابلتان، وطريقان مفترقان، ولا بد من وضوح الألوان والخطوط" [184] .

[180] إذا سلمنا أنه عقد والعقد يكون بين طرفين متكافئين.

[181] وقفات مع ثمرات الجهاد: ص13.

[182] الفوائد باختصار يسير: ص 108 - 111.

[183] الظلال: 1106.

[184] عوائق الإنطلاقة الكبرى، المصري.

فائدة: ومن استبانة سبيل المجرمين معرقة نفسيتهم التي ينطلقون منها وقد أشار الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه"ردة ولا أبا بكر لها"إلى حقيقة نفسية هؤلاء المرتدين، وأنها أعتى نفسية مرت على وجه التاريخ، بل هي اقتبست معالمها من نفسية الشيطان ذلك أنه لما رأى نفسه قد حكم الله تعالى عليه الخلود في جهنم فإنه طلب من الله تعالى أن يمهله إلى نهاية الدنيا حتى يفتن كثيرا من الناس فيذهب بهم معه إلى جهنم، فإنه نقم على الناس طهرهم وعفافهم وإيمانهم، وكذا المرتد فإنه ينقم على الناس إسلامهم، ... يرى نفسه قد ضعف أمام الشهوة، إما شهوة المال أو شهوة المنصب أو شهوة النساء فيرى نفسه حقيرا ذليلا وهو يرى أمامه شابا مسلما قد ترفع عن هذه الشهوات وضربها بقدمه واستمسك بدينه فينقم عليه هذه الفضيلة ويستصغر نفسه أمامه فبدل أن يؤوب إلى رشده ويهتدي إلى رحمة الله فإنه لنفسه الخبيثة يحقد على هذا الشاب لأنه يذكره بضعفه وعجزه ... ولذلك عندما تسمع أو تقرأ هذه القصص الحقيقية من تعذيب المرتدين للمسلمين تكاد لهولها أن تدخل في عالم الخيال والخرافات، لأن هذا النوع من البشر ليس له مثيل في الظلم والكفر والعدوان [الجهاد والإجتهاد بتصرف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت