الصفحة 24 من 44

بعد أن ذكرنا آنفا؛ أن مصالحة المرتدين لا تجوز، بل الواجب {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} ، أردت أن أتنزل في الطرح؛ فأفترض جوازها وأعرضها على أقوال الفقهاء، ليتبين لنا أن المصالحة - الهدنة - الشرعية تختلف تماما عمّا يطرحه الطاغوت ويباركه المنهزمون.

الهدنة لغة؛ السكون بعد الهيج، هدن أي سكن.

واصطلاحا؛ قال ابن قدامة: (يعقد لأهل الحرب عقدا على ترك القتال مدّة بعوض وبغير عوض، وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز) [168] .

وقال ابن القيم: ( ... أهل الهدنة فهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمّون أهل العهود وأهل الصلح وأهل الهدنة) اهـ.

وقال ابن رشد في"بداية المجتهد": (أمّا هل تجوز المهادنة؟ فإن قوما أجازوها ابتداء ... إذا رأى ذلك الإمام مصلحة للمسلمين، وقوم لم يجيزوها إلا لمكان الضرورة) .

وجاء في"الثمرات الجياد": (وعلى هذا الجواز جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنفية، إلا أن الشافعي اشترط مدة عشر سنين لا تزيد) اهـ.

والعلماء حين قالوا بالجواز وضعوا لذلك شروطا، وإليك بعض أقوالهم:

قال ابن قدامة: (ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيها هادنهم حتّى يقوى المسلمون ولا يجوز ذلك إلا بالنظر للمسلمين إمّا أن يكون منهم ضعف عن قتالهم وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم أو أدائهم الجزية والتزامهم أحكام الملة، أو غير ذلك من المصالح، إذا ثبت هذا فإنه لا تجوز المهادنة مطلقا من غير تقدير مدة لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية) [169] .

قال ابن حجر: (في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ، هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين) ، ثم قال: (ومعنى الشرط في الآية؛ الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحفظ للإسلام المصالحة، أمّا إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا) [170] .

وقال صاحب"المجموع بشرح المهذب": (فإن لم يكن في الهدنة مصلحة؛ لم يجز عقدها لقوله تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ} ، قال ابن كثير:"ولا تهنوا أي تضعفوا عن قتال الأعداء") [171] اهـ.

قال صديق حسن خان: (ويجوز مهادنة الكفار وملوكهم وقبائلهم؛ إذا اجتهد الإمام في ذلك، ولم يخافوا من الكفار مكيدة، ولو بشرط، على أجل أكثره عشر سنين) [172] .

وقال الشافعي: (لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة، لأن الأصل فرض قتال المشركين حتّى يؤمنوا أو يعطوا الجزية) [173] .

وقال أحمد بن أحمد بن المختار الجكني الشنقيطي في"مذاهب الجليل من أدلة خليل": ("وللإمام المهادنة والمصالحة"؛ ويجوز للإمام أو نائبه فقط المهادنة، وهي صلح الحربي على ترك قتاله مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام، فخرج الأمان والاستئمان، ومن شرط المهادنة؛ خلوها من شرط فاسد، كشرط ترك مسلم في أيديهم) [174] اهـ.

وقال ابن قدامة عن شروط المهادنة: (فصل في شروط الهدنة: تنقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد ... ) ، قال: (والثاني شرط فاسد، مثل أن يشترط رد النساء أو مهورهن أو رد سلاحهم أو إعطائهم شيئا من سلاحنا أو من آلات الحرب) ، ثم قال: ( ... ولا يجوز ذلك - أي الهدنة - إلا وجه النظر للمسلمين وتحصيل المصلحة ... ولا يجوز عقدها إلا على مدة معلومة، لأن مهادنتهم مطلقا تفضي إلى تعطيل الجهاد بالكلية لكونها تقتضي التأبيد فلم يجز ذلك ... وإذا قال: هادنتكم ما شئتم، لم تصح، لأنه جعل الكفار متحكمين على المسلمين) [175] .

وجاء في"مغني المحتاج": ("وكذا شرط فاسد"؛ أي خلو الهدنة من كل شرط فاسد،"على الصحيح"؛ المنصوص،"بأن شرط منع فك أسرانا"؛ منهم،"أو ترك مالنا"؛ الذي استولوا عليه ... أو نحو ذلك من الشروط الفاسدة ... والأصل في منع ما ذكر قوله تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ} ، وفي اشتراط ذلك إهانة ينبو الإسلام عنها) [176] .

قال ابن قدامة: (فهذه كلها شروط فاسدة، لا يجوز الوفاء بها، وهل يفسد العقد بها؟ على وجهين، بناء على الشروط الفاسدة في البيع [177] ) [178] .

ممّا سلف نقله عن الفقهاء يمكن استخلاص ما يلي:

1)المعنى الاصطلاحي للهدنة والمصالحة: توقيف القتال بين المقاتلين مع بقاء كل طرف بحدوده وسيادته.

2)لا يجوز عقد الهدنة مع الكفار إلا مع الضرورة - الضعف - وبالنظر لمصلحة الإسلام والمسلمين، مع اشتراط أن لا يخافوا من الكفار مكيدة.

3)لا يجوز عقدها مؤبدة لأنها تفضي إلى ترك الجهاد بالكلية، والأصل فرض قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، كما لا يجوز جعلهم متحكمين في المسلمين بقوله"هادنتكم ما شئتم" [179] .

4)لا يجوز عقد الهدنة والمصالحة مع شرط فاسد، كأن نترك مسلم بأيديهم أو منع فك أسرانا أو إعطائهم شيء من سلاحنا، ففي ذلك ومثله إهانة الإسلام وأهله، والإسلام يعلوا ولا يعلى عليه.

5)لا يجوز الوفاء بالشرط الفاسد، كما أن العقد يبطل به على أحد الوجهين.

من النتائج السابقة؛ يتبين لك أن الذين رضوا بصفقة السلم المخزية عقدهم باطل من وجهين:

الأول: مخالفة الحكم الأصلي، وهو عدم جواز مهادنة المرتدين وإقرارهم على ردتهم.

الثاني: احتواء العقد [180] على شروط باطلة يحرم الوفاء بها، وتجعل العقد باطلا من أساسه.

واعلم أن العلماء حين وضعوا شروطا لمهادنة الكافر الأصلي - لا المرتد -؛ يجب مراعاة تلك الشروط، وإلا كان المستفتي متبعا لهواه ... قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} .

أخي المسلم:

بعد ما ذكرت لك هدي الصحابة رضي الله عنه في قتال المرتدين وأقوال أهل العلم في مسألة هدنتهم، وذكرت لك شروط أهل العلم لجواز مهادنة من تجوز مهادنته من الكفار؛ يتبين لك بطلان ما ينادي به المرتدون والمرجفون من المصالحة، ويتبن لك أيضا مخالفة من استجاب للشرع والسياسة، وأنها استجابة لا تنبع من القناعة الشرعية والحنكة السياسية، وإنما عن هزيمة نفسية وقابلية للسلم المخزية.

والله لا يهدي كيد الخائنين.

[168] المغني: 10/ 517.

[169] المغني: 10/ 517.

[170] فتح الباري: 6/ 275.

[171] المجموع بشرح المهذب: 19/ 439.

[172] الروضة: 2/ 353

[173] تفسير القرطبي.

[175] المغني: 10/ 378.

[176] مغني المحتاج: 4/ 261.

[177] نصّ الحجاوي أن الشرط الفاسد يفسد عقد الذمة، الإقناع: 2/ 132.

[178] المغني: 10/ 526.

[179] وما هو استسلام وقبول جري أحكام الكفر عليهم كحال من يسلم نفسه لحكم الطواغيت اليوم يفعلون به ما يشاؤون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت