قال الشيخ أيمن الظواهري: (يحاول البعض تمرير مسألة الحوار مع الطواغيت تحت اسم الهدنة مع الكفار وهذا جائز لمصلحة الإسلام؛ وفي هذا مغالطة فقهية يا أخي المسلم، فالفقهاء فرّقوا بين أصناف الكفار في جواز المهادنة والصّلح، فالكفار إمّا أنهم كفار أصليون - أي لم يكونوا مسلمين قبل - كأهل الكتاب والوثنيين، وإمّا مرتدون - وهم من ثبت لهم حكم الإسلام من قبل - والحكام الذين نتحدث عنهم يدخلون تحت الصّنف الثاني، فهم مرتدون، والمرتد لا يهادن بخلاف الكافر الأصلي) [151] .
إليك بعض أقوال أهل العلم في المسألة:
-قال ابن تيمية: (وهؤلاء أعظم جرما عند الله وعند رسوله والمؤمنين من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة فإن هؤلاء - المرتدين - يجب قتالهم حتما ما لم يرجعوا إلى ما خرجوا عنه، لا يجوز أن يعقد لهم ذمة ولا هدنة ولا أمان) [152] .
وقال: (وقد استقرت السنّة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة منها أن المرتد يقتل بكل حال ولا يضرب عليه جزية ولا تعقد له ذمّة بخلاف الكافر الأصلي ... إلى غير ذلك من الأحكام) [153] اهـ.
-قال الماوردي: (لا يجوز إقرار المرتد على ردّته بجزية ولا عهد) [154] .
وقال: (وأمّا ما تفارق به - أي دار الردّة - دار الحرب - أي الكفار الأصليين - فمن أربعة أوجه: أحدها؛ أنه يجوز أن يهادنوا على الموادعة في ديارهم ويجوز أن يهادن أهل الحرب، والثاني؛ أنه لا يجوز أن يصالحوا على مال يقرون به على ردتهم ويجوز أن يصالح أهل الحرب) [155] اهـ، وللقاضي أبي يعلي مثله [156] .
-قال الغزالي في"فضائح الباطنية": (والقول الوجيز فيه أنه يسلك بهم - أي الزنادقة الباطنية - مسلك المرتدين في النظر في الدم والمال والنكاح ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات، أما الأرواح فلا يسلك بهم مسلك الكافر الأصلي، إذ يتخير الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال: بين المن والفداء والاسترقاق والقتل، ولا يتخير في حق المرتد، بل لا سبيل إلى استرقاقهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المن والفداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهر وجه الأرض منهم) [157] اهـ.
-قال أبو الليث السمرقندي في"تحفة الفقهاء" [158] : (إن أخذ الجزية وعقد الذمة مشروع في حق جميع الكفار إلا مشركي العرب، والمرتدين، فإنه لا يقبل منهم الجزية، كما لم يشرع فيهم الاسترقاق) [159] اهـ.
-قال القرطبي: (وكذلك مذهب مالك، فإنه رأى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربيا، أو عجميا، تغلبيا أو قرشيا كائنا من كان، إلا المرتد) [160] اهـ.
رأي الأحناف:
قال الكاساني في"بدائع الصنائع": (ويجوز موادعة المرتدين إذا غلبوا على دار من دور الإسلام وخيف منهم ولم تؤمن غائلتهم لما فيه من مصلحة دفع الشر الحاصل ورجاء رجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم، ولا يؤخذ منهم على ذلك مال؛ له في ذلك معنى الجزية ولا يجوز أخذ الجزية من المرتدين، فإن أخذ منهم شيء لا يرد له، لأنه مال غير معصوم، ألا ترى أن أموالهم محل الاستيلاء كأموال أهل الحرب) " [161] ."
وقال: (قال تعالى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} ، قيل إن الآية نزلت في أهل الردّة من بني حنيفة، ولأن العقد في حق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام، لأن الظاهر أنه لا ينتقل عن دين الإسلام بعد ما عرف محاسنه وشرائعه المحمودة في العقول إلا لسوء اختياره وشؤم طبعه، فيقع اليأس من فلاحه، فلا يكون عقد الذمة وقبول الجزية في حقه وسيلة إلى الإسلام) [162] .
1)الإمام الكاساني من أئمة الحنفية؛ يجيز موادعة المرتدين إذا غلبوا على دار الإسلام وخيف منهم، دفعا للشر الحاصل، ورجاء رجوعهم إلى الإسلام.
2)الإمام الكاساني يقرر بظاهر الآية التي نزلت في أهل الردة: أن معاملتهم؛ القتال أو الإسلام وهذا الأصل عنده.
3)الإمام الكاساني؛ يقرر أن عقد الموادعة في حق المرتدين لا يقع وسيلة إلى الإسلام، لأنهم كفروا بعد إسلامهم عن بصيرة وعلم بما كفروا به.
بالنظر إلى الواقع - أحد ركني الفتوى - نتفق مع الإمام؛ على أن العقد لا يقع وسيلة إلى إسلامهم - إلا أن يشاء الله - وأن مهادنتهم لا تكف شرهم المستطير على الإسلام والمسلمين، فهم اليوم في حرب عالمية ضد الإسلام، ماضون في طمس كل ما له صلة بالإسلام، نقول هذا مع ما سبق ذكره من كلام ابن تيمية أن قتال الدفع فرض عين لا يجوز فيه الانصراف، خصوصا إذا كان يفضي إلى استباحة المال والحريم، وقول الكاساني مرجوح بإجماع الصحابة وأقوال أهل العلم السالفة، والله أعلم.
ممّا سبق تعلم يا أخي؛ أن مهادنة المرتدين أو مصالحتهم لا تجوز شرعا، ولا تجر نفعا، من كان قادرا على قتالهم فليقاتل ومن عجز فليعد القوة، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} .
وقال ابن تيمية: (كما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) [163] .
4)قال الشيخ أبو قتادة الفلسطيني فك الله أسره: (ولما علمنا أن حكام بلادنا مرتدون؛ فلا يجوز مصالحة أحد منهم أو مسالمته أو مهادنته تحت دعوى المصلحة، أي أنه لا يجوز لجماعات الجهاد أن تداهن أحدا من هؤلاء المرتدين أو تسالمه أو تتعاون معه في قتالها لطائفة الكفر في بلدها) [164] .
قال الشيخ أبو قتادة الفلسطيني:(هبات حركات الردة على أمتنا ليست جديدة في هذا العصر، وليست هي أول مرة، بل هي قديمة قدم الإسلام، ومعالجات الأمّة من علماء وقادة لها واضحة المعالم دقيقة التفاصيل، ففي آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم أطل مسيلمة برأسه، وزعم نزول الوحي عليه، فسماه رسول صلى الله عليه وسلم: مسيلمة الكذاب، وظهر كذلك مرتد آخر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وغلب على أهل اليمن وهو الأسود العنسي، قام له رجل صالح يسمى فيروز الديلمي مع جماعة من جند الإسلام فقتلوه في حركة عسكرية انقلابية، وأعادوا اليمن إلى حظيرة الإسلام، أما أمر مسيلمة فقد امتد أمره، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وشاعت حركة الردة حتى عم شرها الجزيرة العربية ... وعاد الناس إلى ما كانوا عليه من أمر الجاهلية ... وظن ضعاف الإيمان أن سيف الإسلام قد نبت شفرته بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغلبت الردة على الجزيرة العربية، ولم يبق على الإسلام إلا مكة والطائف وجواثى بالبحرين والمدينة، فقام لها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حق القيام، ونشطوا في صدها ومنعها، ورفعوا لها رأس الجد والجهاد، ورؤي من أبي بكر رضي الله عنه صلابة لم تعهد فيه من قبل ... وكانت وصاياه للجند تدور حول جز الرقاب بلا هوادة أو تباطؤ ... ودارت رحى الحرب شاملة كل الجزيرة، ولم يجزع أحد من أصحاب رسول الله منها، بل كانوا رجالها وأهلها، حتى عادت الجزيرة إلى حكم الإسلام وسلطانه.
وفي غفلة من أهل الحق وضعفهم غلب قوم من المرتدين على المغرب، ثم على مصر، وهم الاسماعيليون العبيديون، فقد تأسست الدولة العبيدية في المغرب، وقوي شأنها، فبدلوا الشريعة، وغيروا الأحكام، فقام لها جهابذة الإسلام في المغرب من علماء المالكية الأفذاذ، فقاتلوهم بلا تردد، وعندما قام أبو يزيد الخارجي، وكان على مذهب الإباضية، تردد بعض الناس في قتال المرتدين تحت راية الخوارج، فكان نداء الأئمة العلماء يوم ذاك: نقاتل تحت راية من آمن بالله ضد راية من كفر بالله ... وحركات الردة لا تفتأ تطل برأسها وتنشئ لها دولا ومعاقلا، فالإسماعليون أقاموا لأنفسهم دولة في اليمن، قضى عليها صلاح الدين ... وليس هذا فحسب بل حركات الردة التي غزت أمتنا تحتاج إلى دراسة شاملة، تهيئ قبول المسلم لهذه الظاهرة، وأنها ليست بالجديدة، وأن معالجات أهل العلم لهذه الظاهرة ليست بالأمر المحدث الجديد) [165] اهـ.
تنبيه وإرشاد:
في خضم المعركة مع المرتدين مع كثرة الضغط والضجيج حول المصالحة؛ حين يطّلع المجاهد على طريقة الصحابة وأقوال أهل العلم حول هذه المسألة، أظنه يرتاح للطريق الذي اختاره.
"فإن موافقة العمل - أي للدليل - من أوجه الرجحان فإن موافقته شاهد للدليل الذي استدل به ومصدق له ... بخلاف ما خالفه؛ فإن المخالفة موهنة له أو مكذبة، وأيضا فإن العمل مخلّص للأدلة من شوائب المحامل المقدرة الموهنة ... فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فَهم منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل" [166] .
لقد سبق في صدر الإسلام ردّة قبائل عن الإسلام ومنع قبائل للزكاة، وقد رأينا كيف تعامل معهم الصحابة رضي الله عنهم؛ فليكن لك فيهم أسوة حسنة،"فإن نصوص الكتاب والسنة الذين هما دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تتناول عموم الخلق بالعموم اللفظي وبالعموم المعنوي، وعهود الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تتناول آخر هذه الأمة كما نالت أولها، وإنما قصّ الله علينا قصص من قبلنا من الأمم ليكون عبرة لنا فنشبه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المستأخرين شبه بما كان للمؤمن من المستقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المستأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المستقدمين، كما قال تعالى لمّا قصّ قصّة يوسف مفصلة وأجمل ذكر قصص الأنبياء: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ} ... [167] ."
[151] الحوار مع الطواغيت مقبرة الدعوة والدعاة.
[153] ص 534.
[154] الأحكام السلطانية: 17.
[155] ص 57.
[156] ص 53.
[157] ص 95.
[158] وهو متن كتاب"بدائع الصنائع"للكاساني.
[160] الجامع لأحكام القرآن: 8/ 110.
[161] بدائع الصنائع: 7/ 109.
[162] ص 111.
[163] المجموع: 28/ 259.
[164] الجهاد والإجتهاد.
[165] الجهاد والإجتهاد، الفصل الثالث: الجهاد والتغيير، بتصرف.
[166] الموافقات: 3/ 76 - 77.
[167] المجموع: 28/ 425.