الصفحة 10 من 44

قال أبو بصير: (نحن إذ نتكلم - في بحثنا هذا - عن طغيان الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، وعن حكم الشرع فيه، لا نقصد منه صورة ذاك الحاكم الطيب الذي يحب شرع الله، ولا يرضى عنه بديلا، ويسعى إلى تطبيقه - قدر طاقته - في جميع مجالات الحياة، لكنه في واقعة - وقل وقائع - تخونه نفسه، فيحكم فيها بغير ما أنزل الله لضعف في نفسه أو هوى، مع اعترافه بالتقصير وشعوره بالإثم فهؤلاء - ومن كان على صورتهم - لا نقول إلا بإسلامهم وعليهم وعلى أمثالهم نحمل مقولة ابن عباس رضي الله عنه وغيره من أهل العلم: إنه كفر دون كفر، وليس بالكفر الذي ينقل عن الملة، فنحن لا نريد هذه الصورة الشبه غائبة عن الساحة ومنذ زمن بعيد.

وإنما نريد حالة أخرى، نريد تلك الصورة السائدة في كثير من أمصار المسلمين ... نريد ذاك الحاكم الذي غير وبدل، وقدم شرع الطاغوت على شرع الله، واستحسنه وحسنه في أعين الناس ... نريد ذاك الحاكم الذي يحارب ويعادي شرع الله، والدعاة إلى تطبيق شرع الله في الأرض ... نريد ذاك الحاكم الذي يحمي - بالمال والرجال والسلاح - قوانين الكفر، ويقاتل الأمة دونها ... نريد ذاك الحاكم الذي يحتاج إلى ثورة عارمة مسلحة حتى ينصاع إلى أمر أو حكم واحد من أحكام الله!

فهذه الصورة الخبيثة الجاثمة على صدر الأمة ومقدراتها نريد، وهذا الحاكم الطاغي - بصفاته الآنفة الذكر - نريد، وفيه نقول: قد اجتمعت أدلة الكتاب والسنة، وجميع أقوال علماء الأمة المعتبرين - بما لا يدع مجالا للشك والتوقف أو التردد - على كفره كفرا بواحا ظاهرا، لا يتوقف في تكفيره إلا كل مرجف مغفل، أو جاهل أعمى البصر والبصيرة" [57] ."

فأصل المسألة؛ قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} ، وقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُون} ، وقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} ، ومعرفة سبب نزولها يعيننا على فهمها، فإنها آية في جملة آيات تتكلم على الكفار من أهل الكتاب.

ولذلك قال البراء بن عازب رضي الله عنه: (في الكفار كلها) ، أي أنها تتناول الكفر الأكبر الناقل عن الملة.

وذلك في صحيح مسلم في قصة رجم اليهودي: (مُرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي مُحَمَّم ٍ مجلود، فدعاهم فقال:"هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟"، فقالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال:"أنْشُدَك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟"، فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه") ، قال: (فأمر به فرجم) .

فها هنا شرعوا وتواطؤوا واجتمعوا على شرع وحكم غير ما أنزل الله، وتحاكموا إلى الطاغوت؛ فكفروا، ولو كان ذلك في قضية أو حدّ واحد، فهذا هو سبب النزول ومناط الآية المكفر، الذي لا يذكر معه الاستحلال أو الجحود، اللهم إلا على سبيل الزيادة في الكفر، لا على سبيل التقييد أو الاشتراط للتكفير، والصواب؛ أن يبقى الكفر في الآية على ظاهره - أي الأكبر - وحقيقته ولا يؤول إلى الأصغر، ما دام الاستدلال بها على مناطها - سبب نزولها ونظائره - [58] .

قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز عن الآية السابقة الذكر: (وبينت أنه نص عام من أوجه كثيرة، وأن الكفر في الآية هو الكفر الأكبر، وأنه إذا اختلفت أقوال الصحابة في تفسير آية؛ اخترنا من أقوالهم ما يؤيده الكتاب والسنة - كما هو مقرر في الأصول - وبينت كذلك؛ أن ما يحدث في كثير من بلدان المسلمين الآن هو نفس صورة سبب نزول الآية، وهو تعطيل حكم الشريعة الإلهية واختراع حكم جديد وجعله تشريعا مُلِزما للناس، كما عطل اليهود حكم التوارة برجم الزاني واخترعوا تشريعا بديلا، وذكرت في رسالتي المشار إليها؛ أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في النص، كما هو مقرر في الأصول، وهو ما أشار إليه إسماعيل القاضي - كما نقل ابن حجر:"قال إسماعيل القاضي في"أحكام القرآن"- بعد أن حكي الخلاف في ذلك: ظاهر الآيات يدل علي أن من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكما يخالف به حكم الله وجعله دينا يُعمَلُ به، فقد لَزِمَه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور، حاكما كان أو غيره") [59] .

وقال الدكتور أيمن الظواهري: (قوله:"وجعله دينا يعمل به"، أي جعله نظاما ملزما للناس، فالدين في أحد معانيه يطلق على نظام حياة الناس، حقا كان أو باطلا، لأن الله سمّى ما عليه الكفار من الضلال دينا، فقال: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} ) [60] .

"فكل من شارك في وضع القوانين الوضعية أو حَكَم بها؛ فهو كافر، كفرا أكبرَ، مخرجا من ملة الإسلام، وإن أتى بأركان الإسلام الخمسة وغيرها، وهذا هو ما قرره كثير من أهل العلم" [61] .

وإليك الآن بعض أقوال أهل العلم في مسألتنا:

-قال ابن كثير في تفسير قوله الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} : (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعَدَلَ إلى ماسواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من الشريعة، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) اهـ.

وقال أيضا: (فمن ترك الشرع المحكم المنزّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدَّمها عليه؟ من فعل ذلك كَفَر بإجماع المسلمين) [62] .

-قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله - معلقا على كلام ابن كثير: (أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربا الوثنية الملحدة؟ بل تشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟ ... ) ، إلى قوله: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس. هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام - كائنا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها) [63] .

-يقول محمد حامد الفقي - معلقا أيضا على كلام ابن كثير: (ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها) [64] .

-قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتكلم عن أصناف الناس بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم: (صنف رابع شر من هؤلاء وهم قوم ارتدوا عن شرائع الإسلام وبقوا مستمسكين بالانتساب إليه، فهؤلاء الكفار المرتدون عن الإسلام والداخلون فيه من غير التزام لشرائعه، والمرتدون عن شرائعه لا عن سمته؛ كلهم يجب قتالهم بإجماع المسلمين حتى يلتزموا شرائع الإسلام، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدّين كله لله) [65] .

وقال: (فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله؛ فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فسادا، وقد قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، فكل من خرج عن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وشريعته فقد أقسم الله بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم) [66] .

وقال: (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين؛ أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب) .

وقال: (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله؛ فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله؛ فهو كافر) .

-قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (إن من الكفر الأكبر المستبين؛ تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين) [67] .

وقال رحمه الله: (الحاكم بغير ما أنزل اللهُ؛ كافرٌ، إمّا كفرُ اعتقادٍ ناقلٌ عن الملّة، وإمّا كفرُ عملٍ لا ينقلُ عن الملّة، أمّا الأول: وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع، أحدها: أن يجحد الحاكمُ بغير ما أنزل الله أحقيّة حُكمِ الله ورسوله، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإنّه كافرًا الكفرَ الناقل عن الملّة، الثاني: أنْ لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كونَ حُكم اللهِ ورسولِهِ حقًّا، لكن اعتقد أنّ حُكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حُكمه، وأتمّ وأشمل ... لا ريب أنه كافرٌ، الثالث: أنْ لا يعتقد كونَه أحسن من حُكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين الذين قبله، في كونه كافرًا الكفرَ الناقل عن الملّة، الرابع: أنْ لا يعتقد كون حُكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلًا لحكم الله ورسوله، فضلًا عن أنْ يعتقدَ كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحُكم بما يخالف حُكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله، الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقّة لله ورسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا، وتفريعا وتشكيلا وتنويعا وحكما وإلزاما، ومراجع ومستندات، فكما أنّ للمحاكم الشرعية مراجعَ مستمدّات، مرجعها كلُّها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلهذه المحاكم مراجعٌ، هي: القانون المُلفّق من شرائعَ شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيّأة مكملة، مفتوحةُ الأبواب، والناس إليها أسرابٌ إثْر أسراب، يحكُمُ حُكّامُها بينهم بما يخالف حُكم السُنّة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتُلزمهم به، وتُقِرُّهم عليه، وتُحتِّمُه عليهم ... فأيُّ كُفر فوق هذا الكفر، وأيُّ مناقضة للشهادة بأنّ محمدًا رسولُ اللهِ بعد هذه المناقضة [68] ، السادس: ما يحكُم به كثيرٌ من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمُّونها"سلومهم"، يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به ويحُضُّون على التحاكم إليه عند النزاع، بقاءً على أحكام الجاهلية، وإعراضًا ورغبةً عن حُكم الله ورسوله) اهـ.

وقال: (فكل من تحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد آمن بالطاغوت الإيمان الموجب لكفره) [69] .

-قال الشنقيطي: (ومن هدي القرآن للتي هي أقوم؛ بيانه أن كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد ابن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف؛ كفرٌ بواحٌ مخرجٌ من الملة الإسلامية) [70] .

وقال: (وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض؛ فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك، فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم: كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا) .

وقد سبق قوله: (أنه لا يشك في كفرهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم) [71] .

-قال الشيخ محمود شاكر: (وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه) [72] .

-قال عبد العزيز بن باز: (لا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس وأراءهم خير من حكم الله ورسوله أو تماثلها أو تشابهها، أو تركها وأحلّ محلّها الأحكام الوضعية والأنظمة البشرية وإن كان معتقدا أن أحكام الله خير وأكمل وأعدل) .

وقال: (فمن خضع لله سبحانه وأطاعه وتحاكم إلى وحيه فهو العابد له ومن خضع لغيره وتحاكم إلى غير شرعه فقد عبد الطاغوت وانقاد له، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} ، والعبودية لله وحده والبراءة من عبادة الطاغوت والتحاكم إليه من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله) .

وقال: (عن الذين يدعون إلى الإشتراكية أو الشيوعية أو غيرها من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإسلام؛ كفار ضلاّل، أكفر من اليهود والنصارى، لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يجوز أن يجعل أحد منهم خطيبا وإماما في مسجد من مساجد المسلمين ولا تصح الصلاة خلفهم، وكل من ساعدهم على ضلالهم وحسّن ما يدعون إليه وذمّ دعاة الإسلام ولمزهم؛ فهو كافر ضال، حكمه حكم الطائفة الملحدة التي سار في ركابها وأيّدها في طلبها، وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة؛ فهو كافر مثلهم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ) [73] .

وردا عن سؤال: متى نُفرد شخصًا باسمه وعينه على أنه طاغوت، فجاء في الجواب: (إذا دعا إلى الشرك أو لعبادة نفسه أو ادعى شيئا من علم الغيب أو حَكَم بغير ما أنزل الله متعمدًا ونحو ذلك) [74] .

وقال في"نقد القومية العربية": (وكل دولة لا تحكم بشرع الله ولا تنصاع لحكم الله؛ فهي دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة، بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله، وتحرم مودّتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده وتحكم شريعته) [75] .

ونظرا لعموم البلوى في هذا الزمان بتولي الكفار، أنقل لك أخي ما يلي:

-قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمهم الله - بعد كلام له عن وجوب معاداة الكفار والبراءة منهم: (فكيف بمن أعانهم، أو جرهم على بلاد أهل الإسلام، أو أثنى عليهم، أو فضلهم بالعدل على أهل الإسلام، واختار ديارهم ومساكنتهم وولايتهم وأحب ظهورهم، فإن هذا ردة صريحة بالاتفاق، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوفي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} ) [76] .

-قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (الناقض الثاني مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ) .

-وقال ابن باز في مجموع فتاويه [77] : (وكل من ساعدهم على ضلالهم وحسّن ما يدعون إليه، وذمّ دعاة الإسلام ولمزهم؛ فهو كافر ضال، حكمه حكم الطائفة التي سار في ركابها وأيدها في طلبها، وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين، وساعدهم بأي نوعٍ من المساعدة؛ فهو كافر مثلهم) .

-في سنة 661: قام صاحب الكرك - الملك المغيث عمر بن العادل - بمكاتبة هولاكو والتتار على أن يأخذ لهم مصر، فاستفتى الظاهر بيبرس الفقهاء؛ فأفتوا بعزله وقتله، فعزله وقتله [78] .

-وفي"الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" [79] وفي كتاب"القضاء"من"نوازل"الإمام البرزلي رحمه الله: أن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني رحمه الله استفتى علماء زمانه - وهم من المالكية - في استنصار ابن عباد الأندلسي - حاكم أشبيلية - بالكتابة إلى الإفرنج على أن يعينوه على المسلمين، فأجابه جلهم بردته وكفره، وهذا في حدود عام 480 تقريبًا ...

-وتكرّرت نحو هذه الحادثة عام 984 من محمد بن عبد الله السعدي - حاكم مراكش - الذي استعان بملك البرتغال ضد عمه أبي مروان المعتصم بالله، فأفتى علماء المالكية بكفره وردته [80] .

-في حدود سنة 700: هجم التتار على أراضي الإسلام في الشام وغيرها، وقد أعانهم بعض المنتسبين للإسلام، فأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بردة من أعانهم [81] .

قالت وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي حول الإرهاب: (إن الرئيس بوتفليقة الذي قابل الرئيس بوش عام2001م تعهّد بصورة علنية بالتعاون الكامل لحكومته مع التحالف الدولي ضد الإرهاب، وكجزء من هذا التعاون عزّزت الحكومة الجزائرية المشاركة في المعلومات مع الولايات المتحدة الأمريكية وعملت بنشاط مع حكومات أوروبية وأخرى للقضاء على شبكات دعم الإرهابيين المرتبطة بمجموعات جزائرية تعمل بعضها في أوروبا) .

وبعد هذا كله، فالأمر كما قال الالوسي: (فلا ينبغي التوقف في تكفير من يستحسن ما هو بيّن المخالفة للشرع منها ويقدّمه على الأحكام الشرعية منتقصا لها) [82] .

-قال ابن عبد الوهاب: (نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسّنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد - أي القبور - التي يشرك بالله عندها وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها، ونكفّر من أقرّ بدين الله ورسوله ثم عاداه وصدّ الناس عنه) .

وقال أيضا: (الطواغيت كثيرة، ورؤوسهم؛ خمسة) - ذكر منهم الحاكم بغير ما أنزل الله - اهـ.

-قال ابن قاسم: (كمن يحكم القوانين الجاهلية والقوانين الدولية، بل جميع من حكم بغير ما أنزل الله - سواء كان بالقوانين الوضعية أو بشيء مخترع وهو ليس من الشرع - ... فهو طاغوت من أكبر الطواغيت) .

-قال سيد قطب: (إما أن يكون الحكّام قائمين على شريعة الله كاملة؛ فهم في نطاق الإيمان، وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يأذن به الله؛ فهم الكافرون الظالمون الفاسقون، وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون، وإلا فما هم بالمؤمنين، ولا وسط بين هذا الطريق وذاك، ولا حجة ولا معذرة، ولا احتجاج بمصلحة، فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس، ويضع شرائعه لتحقيق مصالح الناس الحقيقية، وليس أحسن من حكمه وشريعته حكم أو شريعة، وليس لأحد من عباده أن يقول: إنني أرفض شريعة الله، أو إنني أَبصر بمصلحة الخلق من الله، فإن قالها - بلسانه أو بفعله - فقد خرج من نطاق الإيمان ... فما يمكن أن يجتمع الإيمان وعدم تحكيم شريعة الله أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة، فمن شاء أن يقول؛ إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها، فليقل، ولكن ليقل معه؛ إنه - والعياذ بالله - كافر بهذا الدّين مكذب بقول رب العالمين، هكذا تتبين القضية ... إله واحد ومالك واحد إذن فحاكم واحد ومشرّع واحد ومتصرف واحد وإذن الشريعة واحدة ومنهج واحد وقانون واحد إذن فطاعة واتباع وحكم بما أنزل الله فهو إيمان وإسلام أو معصية وحكم بغير ما أنزل الله فهو كفر وظلم وفسوق، ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحّي شريعة الله عن حكم الحياة ويستبدل بها شريعة الجاهلية وحكم الجاهلية ويجعل هواه وهوى شعب من الشعوب أو هوى جيل من أجيال البشر فوق حكم الله وفوق شريعة الله، ما الذي يستطيع أن يقوله وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟! الظروف، الملابسات، عدم رغبة الناس، الخوف من الأعداء؟! ألم يكن هذا كله في علم الله وهو يأمر المسلمين أن يقيموا بينهم شريعته وأن يسيروا على منهجه وألا يفتنوا عن بعض ما أنزله؟! قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة والأوضاع المتجدّدة والأحوال المتقلّبة؟ ألم يكن ذلك في علم الله وهو يشدد هذا التشديد ويحذر هذا التحذير، يستطيع غير المسلم أن يقول ما يشاء ولكن المسلم أومن يدعون الإسلام ما الذي يقولونه في هذا كله ثم يبقون على شيء من الإسلام أو يبقى لهم شيء من الإسلام، إنه مفرق الطريق الذي لا جدوى عنده من الاختيار ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال إما إسلام وإما جاهلية إما إيمان وإما كفر إما حكم الله وإما حكم الجاهلية، وبمجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضع حكم من صنع غير الله هو بذاته خروج من دائرة الإسلام، فالإسلام لله وتوحيد الدينونة له دون سواه) اهـ.

-قال سليمان بن ناصر العلوان - وهو يقسم الحكم بغير ما أنزل الله فذكر القسم الثالث: (أن يقاتل عن هذا الأمر - أي يحكم بغير شرع الله ويقاتل على هذا الأمر - فهذا كفر اكبر، ويوافق على هذا الكفر بعض طوائف أهل الإرجاء، لأن القتال يقولون علامة الاستحلال) [83] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت