فهرس الكتاب
ج / 1 ص -297- الواردة بأن من قال لا إله إلا اللَّه دخل الجنة مقيدة بعدم الإخلال بما أوجب اللَّه من سائر الفرائض وعدم فعل كبيرة من الكبائر التي لم يتب فاعلها عنها وأن مجرد الشهادة لا يكون موجبًا لدخول الجنة فلا يكون حجة على المطلوب ولكنهم اختلفوا في خلود من أخل بشيء من الواجبات أو قارف شيئًا من المحرمات في النار مع تكلمه بكلمة الشهادة وعدم التوبة عن ذلك فالمعتزلة جزموا بالخلود والأشعرية قالوا يعذب في النار ثم ينقل إلى الجنة . وكذلك اختلفوا في دخوله تحت المشيئة فالأشعرية وغيرهم قالوا بدخوله تحتها والمعتزلة منعت من ذلك وقالوا لا يجوز على اللَّه المغفرة لفاعل الكبيرة مع عدم التوبة عنها . وهذه المسائل محلها علم الكلام وإنما ذكرنا هذا للتعريف بإجماع المسلمين على أن هذه الأحاديث مقيدة بعدم المانع ولهذا أوَّلها السلف فحكي عن جماعة منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي ورد بأن راوي بعض هذه الأحاديث أبو هريرة وهو متأخر الإسلام أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق وكانت إذ ذاك أحكام الشريعة مستقرة من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها . وحكى النووي عن بعضهم أنه قال: هي مجملة تحتاج إلى شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها قال: وهذا قول الحسن البصري . وقال البخاري: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك ذكره في كتاب اللباس . وذكر الشيخ أبو عمر بن الصلاح أنه يجوز أن يكون ذلك أعني الاقتصار على كلمة الشهادة في سببية دخول الجنة اقتصارًا من بعض الرواة لا من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم بدليل مجيئه تامًا في رواية غيره ويجوز أن يكون اختصارًا من الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلم فيما خاطب به الكفار عبدة الأوثان الذين كان توحيدهم باللَّه تعالى مصحوبًا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام ومستلزمًا له والكافر إذا كان لا يقر بالوحدانية كالوثني والثنوي وقال لا إله إلا اللَّه وحاله الحال التي حكيناها حكم بإسلامه . قال النووي: ويمكن الجمع بين الأدلة بأن يقال المراد باستحقاقه الجنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد إما معجلًا معافى وإما مؤخرًا بعد عقابه والمراد بتحريم النار تحريم الخلود . وحكي ذلك عن القاضي عياض وقال: إنه في نهاية الحسن ولا بد من المصير إلى التأويل لما ورد في نصوص الكتاب والسنة بذكر كثير من الواجبات الشرعية والتصريح بأن تركها موجب للنار . وكذلك ورود النصوص بذكر كثير من المحرمات وتوعد فاعلها بالنار . وأما الأحاديث التي أوردها المصنف في تأييد ما ذكره من التأويل فالنزاع في إطلاق الكفر على تارك الصلاة وقد عرفناك أن سبب الوقوع في مضيق التأويل توهم الملازمة بين الكفر وعدم المغفرة وليست بكلية كما عرفت وانتفاء كليتها يريحك من تأويل ما ورد في كثير من الأحاديث . منها ما ذكره المصنف . ومنها ما ثبت في الصحيح بلفظ:"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"وحديث"أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم"وحديث"أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل اللَّه ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب"وحديث"من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها"وكل هذه الأحاديث في الصحيح . وقد ورد من هذا الجنس أشياء كثيرة ونقول من سماه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم كافرًا سميناه كافرًا ولا نزيد على هذا المقدار ولا نتأول بشيء منها لعدم الملجئ إلى ذلك .