تعالى من بين هذا المعاني، فلو كان ابن عباس يعتقد أن الله داخل السماء حقيقة لما عدل إلى التصريح بذات الله بدل الله ولكان قال: أأمنتم الله الذي يسكن في السماء إذا عصيتموه أن يعذبكم، وحاشاه أن تكون عقيدته كذلك، يكون المعنى: أأمنتم من في السماء سلطانه وقدرته وفرشه ومملكته، أي محل سلكانه، ومحل قدرته، ومحل عرشه، ومحل مملكته، وهو العالم العلوي، وخص بالذكر، وإن كان كل موجود محلا للتصرف فيه، ومقدورا له تعالى لأن العالم العلوي أعجب أغرب.
فالتخويف به أشد من التخويف بغيره، وصرح ابن تيمية مرارا بقوله: (( فلا ريب أن الله فوق العالم مباين لمخلوقاته ) )وكلنا يعلم أن الفوقية من خصائص الأجسام. فتكون فوقية بالمنزلة والشرف لا بالجهة، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة لذا لا بد من التأويل وإلا وقفنا في المحظور.
ومما أوله ابن عباس رضي الله عنهما أنه أول الكرسي بالعلم كما تقدم. وأول (وجاء ربك) بأمره وقضائه، وأول
{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات: 47] . بقوة وقدرة، وأول
{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] . بكرب وشدة، وأول مجاهد كما تقدم
{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] . بعلم العلماء وأول الضحاك وأبو عبيد
{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] . إلا هو.
إذن فمن الذي حرف الكلم عن مواضعه؟ ابن عباس وهؤلاء العلماء الأجلاء، أم ابن تيمية الذي تقول عليهم بما لم يأذن به الله؟ وهل كان لله جهة قبل خلقه المنزلة والشرف والتصرف بالغلبة والقهر والسلطان.