وقال الشيخ عبد الرحمن: وقد اختلفت آراء المتأخرين في معنى آية الاستواء. وذكروا في تفسيرها كلَّ رطب ويابس. وضلّت المشبهةُ بذلك حتى أدّاهم إِلى التصريح في التجسيم، واقتضى الأمر بين الأئمة إلى التكفير والتضليل، والضرب والشتم، والقتل والنهب، والألقاب الفاضحة، ولله في ذلك سر هو يعلمه". أهـ. وسيأتيك طرفًا من ذكرها إن شاء اللَّه تعالى. وهذه هي عقيدتنا."
قال الإِمام رضي اللَّه عنه: في كتابه [الفقه الأكبر ص 17] (فصل) "واعلموا أن الباري لا مكان له، والدليل عليه هو أن اللَّه تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلق المكان، لا يجوز عليه التغيير في ذاته، والتبديل في صفاته، ولأنَّ ماله مكان وله تحتٌ متناهي الذات محدود، والمحدود مخلوق، تعالى اللَّه عن ذلك، ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة، والولدُ في حقه تعالى محال:"فإِن قيل"قال اللَّه تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ."
يقال له: إِن هذه الآية من المتشابه التي يُحار في الجواب عنها، وعن أمثالها لمن يريد التبحر في العلم، أي يمر بها كما جاءت، ولا يبحث عنها، ولا يتكلم فيها لأنه لا يأمن الوقوع في الشبهة، والورطة إذا لم يكن راسخًا في العلم، ويجب أن يعتقد في صفة الباري ما ذكرناه، وأنه لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان منزه عن الحدود والنهايات، مستغن عن المكان والجهات. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
ويخلص عن هذه المهالك، ولهذا زجر مالك السائل حين سأله عن هذه الآية فقال:"الاستواء مذكورٌ، وكيفيته مجهولة، والإِيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ، ثم قال: فإِن عدت إلى مسألتك أمرتُ بضرب رقبتك، أعاذنا اللَّه تعالى وإِيّاكم من التّشبيه". أهـ. وقوله:"الاستواء مذكور"أي في القرآن الكريم.