ولما كان تبليغ الدين في حاجة إلى حماية من أذى الناس ، ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا بتبليغ كل ما أنزل إليه ، وقد قضى الله أن يكون خاتم الرسل فلو قتل أو مات قبل أن يكمل الدين ويتم التبليغ فليس من رسول من بعده يتولى ذلك فإن الأمر يحتاج إلى حماية خاصة تتناسب والتبليغ التام . من أجل ذلك تولى الله بنفسه حماية نبيه - صلى الله عليه وسلم - فكانت حماية النبي شاملة كاملة مناسبة للبلاغ الشامل الكامل. وفي هذا يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة:67) .
وبذلك قامت حجة الله على خلقه برسول ظاهر معه حجته الكاملة وبينته الظاهرة التي لا يمنع من تبليغها كاملة أحد من الناس بعد أن تولى الله تعالى بنفسه عصمته وحمايته منهم كما قال تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) أي عما هم فيه من شركهم وكفرهم (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) ثم فسر البينة فقال: (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) ثم بين أن الحجة قامت عليهم وأن اختلافهم إنما كان من بعد أن ظهرت الحجة وجاءتهم البينة فقال: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة:1-4) .