(دراسة قياسية بإستعمال نماذج بانال) "."
برزت في العقود الأخيرة من هذا القرن الماضي، نتيجة للتطور التكنولوجي والثورة العلمية التقنية، جملة من القضايا، لم تكن تطرح على بساط البحث في مجال العلوم الاقتصادية والعلوم الاجتماعية منها مشكلة البطالة، ومشكلة الهجرة الداخلية، كما برزت مفاهيم العدالة والمساواة في توزيع فرص العمل والاستخدام الأمثل للثروة. فقد أفرزت الأزمات الإقتصادية المتعاقبة مشكلة الركود الاقتصادي التي تسببت بدورها في مشكلة البطالة [1] في البلدان الرأسمالية والإصابة بالشلل للاقتصاديات النامية، ونتيجة هذا الوضع أدى إلى ظهور عجز العلوم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية بالإحاطة بهذه المشاكل المنبثقة والمرتبطة بالقوة البشرية وضرورة تنميتها وتكييفها مع الظروف المستجدة، مما برر تدخل الدولة في آليات عمل توازن العرض والطلب، حتى في الاقتصاديات الحرة أيضا، وإعادة التوازن في سوق العمل، حيث ينظر إلى البطالة باعتبارها نوع من الخلل في النظام الاجتماعي وأن الدولة غير قادرة على القيام بواجباتها تجاه مواطنيها، وأنها تهميش إجتماعي وهدر إقتصادي وظاهرة مرضية في الإقتصاديات الوطنية.
وقد أدى الضغط الديموغرافي المتتالي على سوق العمل وتباطؤ التوظيف في مرحلة الثمانينات والتسعينات في أغلب إقتصاديات البلدان العربية إلى إرتفاع معدلات البطالة إلى مستويات تفوق مثيلاتها في دول العالم. وما يميز البطالة في هذه الإقتصاديات تركزها في صفوف الشباب ذوي الأعمار أقل من 34 عامًا، وتشير لغة الأرقام إلى جسامة وكبر هذه المشكلة، حيث نجد أن نسبة البطالة تتراوح بين 10 و 15 %في أغلب إقتصاديات الدول العربية، ويرجع أغلب الباحثين هذه الظاهرة إلى ضعف المهارات لدى شريحة العاطلين عن العمل وتراجع قدرة القطاع العام في هذه البلدان على إمتصاص الفائض من القوى العاملة.
ولعل تزايد معدلات البطالة في البلدان النامية والعربية خصوصا يؤكد هذا الطرح، فرغم كل السياسات التي وضعت عبر العقود الماضية إلا أنها لم تتمكن من تخفيض معدلات البطالة، بل أن التوقعات المستقبلية تشير إلى أن هناك تزايد في معدلات البطالة بنسب كبيرة تقدر بـ 3% سنويا في المنطقة العربية ليصل عدد العاطلين إلى حدود 25 مليون عاطل عن العمل في حدود عام 2010 حسب منظمة العمل الدولية.
أولا: البطالة في الدول العربية
تعتبر مشكلة البطالة مشكلة عالمية تعاني منها اقتصاديات الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، مع مراعاة الفروق الواضحة في حدة هذه المشكلة بين المجموعتين. وفي هذا الصدد، لا يمكن الفصل بين تطورات وخصائص السكان من جهة وتطور وخصائص القوى العاملة والعاطلين عن العمل) البطالة (من جهة أخرى. وأشار تقرير للبنك الدولي إلى أن عدد سكان العالم قد إرتفع من 1.9525 مليون نسمة عام 1990 إلى 3.1066 مليون نسمة عام 2007 أي بمعدل نمو سنوي بلغ متوسطه %1.35، ومن المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 6.0127 مليون نسمة عام 2015.
وعلى صعيد نمو القوى العاملة، أشار التقرير ذاته إلى أن عدد القوى العاملة إرتفع خلال الفترة 1990 - 2007 بمعدل نمو سنوي بلغ متوسطه % 1.62 [2] و الجدول التالي يبين معدلات البطالة ومعدل نمو التوظيف في بعض الدول المتقدمة [3] :
(3) صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي، ابريل 2008.