الصفحة 21 من 27

المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير، وتضحية الكثير، كما يتعرض هو وأهله للعنت، وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده، فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال! فيكونون عدوًا له، لأنهم صدُّوه عن الخير، وعوَّقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا، كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه، اتقاء لما يصيبهم من جرائه، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله. . وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات. . وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن.

ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة، التحذير؛ لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا، والحذر من تسلل هذه المشاعر، وضغط هذه المؤثِّرات" [1] ."

فليحذر كلُّ مؤمن من كلِّ ما يشغله عن دعوته ويُثبِّطُهُ عن الجهاد، مع مراعاة حقوق الزوجة والأولاد فإن صدهم عن الدعوةِ والجهاد لا يبررُ التقصيرَ في حقوقهم، بل لا بدَّ من الترفُّق بهم والحلم والصفح عنهم والتسامح معهم، قال تعالى {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : فهو تعالى واسع المغفرة عظيم الرحمة.

روى ابن ماجه في السنن عَنْ يَعْلَى الْعَامِرِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَسْعَيَانِ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ، وَقَالَ (إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ) [2]

فكونُ الولد مبخلةً ومجبنةً لا يعني التعامل معه بالقسوة والجفاء، بل لا بدَّ من مراعاة حقه في الرحمة والحنان، وبهذا يحقق المؤمن التوازن في الحقوق والاعتدال في المحبة فلا يبالغ في حبِّ الزوجة والأولاد وفي الحرص على مصالحهم فيصبح من أجلهم بخيلا جبانا، ولا يجافيهم

(1) - في ظلال القرآن 6/ 3597

(2) - رواه الإمام ابن ماجه في السنن عَنْ يَعْلَى الْعَامِرِيِّ باب بر الوالد والإحسان إلى البنات. الحديث 3666، وقال الإمام البوصيري في الزوائد إسناده صحيح. رجاله ثقات، ورواه الإمام أحمد في مسنده 4/ 172 و الإمام الطبراني في المعجم الكبير 1/ 283 حديث 646، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 4/ 346.

رواه أحمد والطبراني ... ، ورجالهما ثقات. وعزاه الحافظ العراقي في المغني إلى ابن ماجه في السنن، قال وإسناده صحيح. وقوله (مبخلة مجبنة) أي مظنة البخل والجبن. لأجله يبخل الإنسان ويجبن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت