فهرس الكتاب
وهذا التقدير أظهر معنى وأنسب بلاغة وأسعد باستعمال اسم الإشارة فِي مثل هاته المواقع ، لأنه أظهر فِي كون الإشارة لقصد التنويه بتلك الصفات المشار إليها وبما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم الناشئ عنها ، وهذا لا يحصل إلا بجعل اسم الإشارة مبتدأ أول صدر جملة استئناف.
فقوله: {أولئك على هدى من ربهم} رجوع إلى الإخبار عنهم بأن القرآن هدى لهم والإتيان بحرف الاستعلاء تمثيل لحالهم بأن شبهت هيئة تمكنهم من الهدى وثباتهم عليه ومحاولتهم الزيادة به والسير فِي طريق الخيرات بهيأة الراكب فِي الاعتلاء على المركوب والتمكن من تصريفه والقدرة على إراضته فشبهت حالتهم المنتزعة من متعدد بتلك الحالة المنتزعة من متعدد تشبيهاً ضمنياً دل عليه حرف الاستعلاء لأن الاستعلاء أقوى أنواع تمكن شيء من شيء ، ووجه جعلنا إياها مؤذنة بتقدير مركوب دون كرسي أو مسطبة مثلاً ، لأن ذلك هو الذي تسبق إليه أفهامهم عند سماع ما يدل على الاستعلاء ، إذ الركوب هو أكثر أنواع استعلائهم فهو الحاضر فِي أذهانهم ، ولذلك تراهم حين يصرحون بالمشبه به أو يرمزون إليه ما يذكرون إلا المركوب وعلائقه ، فيقولون جعل الغَواية مركباً وامتطى الجهل وفي"المقامة":"لما اقتعدتُ غارب الاغتراب وقالوا فِي الأمثال: ركب متن عمياء ، تخبط خبط عشواء."
وقال النابغة يهجو عامر بن الطفيل الغنوي:
فإن يكُ عامر قد قال جَهْلا...
فإن مَطِيَّةَ الجَهْلِ الشبابُ
فتكون كلمة"على"هنا بعض المركب الدال على الهيأة المشبه بها على وجه الإيجاز وأصله أولئك على مطية الهدى فهي تمثيلية تصريحية إلا أن المصرح به بعض المركّب الدال لا جميعه.
هكذا قرر كلام"الكشاف"فيها شارحوه والطيبي ، والتحتاني والتفتازاني والبيضاوي.