ذكر ابن القيم أيضًا أنه من خصائص حد الزنا: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلوة حيث لا يراهما أحد وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر.
قال ابن كثير: هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جُلِدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخا وفضيحة إذا كان الناس حضورًا.
وقال القرطبي: فيه قولان للعلماء أن المراد بحضور الجماعة، هل المقصود بها الأغلاط على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، وأن ذلك يدع المحدود، ومن شهده وحفره يتعظ به ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة.
وقال الكاساني: وينبغي أن تقام الحدود كلها في ملأ من الناس لقوله تبارك وتعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، والنص وإن ورد في حد الزنا لكن النص الوارد فيه يكون واردا في سائر الحدود دلالة لأن المقصود من الحدود كلها وهو زجر العامة وذلك لا يحصل إلا وأن تكون الإقامة على رأس العامة لأن الحضور ينزجرون بأنفسهم
بالمعاينة والغيب ينزجرون بإخبار الحضور فيحصل الزجر للكل وكذا فيه منع الجلاد من المجاوزة عن الحد الذي جعل له لأنه لو جاوز لمنعه الناس عن المجاوزة وفيه أيضًا دفع التهمة والميل فلا يتهمه الناس أن يقيم الحد عليه بلا جرم سبق منه واللَّه تعالى الموفق.
وقال الماوردي: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} يعني بالعذاب الحد يشهده عند الإقامة طائفة من المؤمنين ليكونوا زيادة في نكاله وبيِّنة على إقامة حده.
وقال ابن العربي: وَفِقْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ الْمَحْدُودَ، وَمَنْ شَهِدَهُ وَحَضَرَهُ يَتَّعِظُ بِهِ وَيَزْدَجِرُ لِأَجْلِهِ، وَيَشِيعُ حَدِيثُهُ؛ فَيَعْتَبِرُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ.
وقال السعدي: وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين طائفة، أي: جماعة من المؤمنين، ليشتهر ويحصل بذلك الخزي والارتداع، وليشاهدوا الحد فعلا فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل، مما يقوى بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب لإصابة الصواب، فلا يزاد فيه ولا ينقص.