[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
(سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(1)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْإِنْزَالُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ صُعُودٍ إِلَى نُزُولٍ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى فِي جِهَةٍ؟
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَحْفَظُهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ثُمَّ يُنْزِلُهَا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلِهَذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ أَنْزَلْنَاهَا تَوَسُّعًا.
وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَهَا مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا دُفْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَنْزَلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ نُجُومًا عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وَثَالِثُهَا: مَعْنَى (أَنْزَلْناها) أَيْ أَعْطَيْنَاهَا الرَّسُولَ، كَمَا يَقُولُ الْعَبْدُ إِذَا كَلَّمَ سَيِّدَهُ رَفَعْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي، كَذَلِكَ يَكُونُ مِنَ السَّيِّدِ إِلَى الْعَبْدِ الْإِنْزَالُ قَالَ اللَّه تَعَالَى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فَاطِرٍ: 10] .
(الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(3)
فِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) ظَاهِرُهُ خَبَرٌ، ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ هَذَا الظَّاهِرُ، لِأَنَّا نَرَى أَنَّ الزَّانِيَ قَدْ يَنْكِحُ الْمُؤْمِنَةَ الْعَفِيفَةَ وَالزَّانِيَةَ قَدْ يَنْكِحُهَا الْمُؤْمِنُ الْعَفِيفُ؟
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: (وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ؟
وَالْجَوَابُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ لِأَجْلِ هَذَيْنِ السُّؤَالَيْنِ ذَكَرُوا وُجُوهًا: