وبعد ألف لام ميم مباشرةً تتجه السورة إلى ذكر هذا الخبر"غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ"، ذكر الله تعالى هذا الخبر وأعقبه بالبشرى لأهل الكتاب أنهم سيغلبون أهل الشرك يوماً من الأيام بعد بضع سنين، وذلك ليقرر الله تعالى حقيقةً مهمة، يؤسسها في قلوب المؤمنين ويذكر بها الكافرين الجاهلين، ذلك أن النصر بين أي متقاتلٍ وآخر إنما هو من عند الله، كما ذكره الله بعد ذلك في العهد المدني"وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ"هذا اسمه أسلوب حصر، يعني لا يكون النصر أبداً إلا من عند الله، فقد ينصر الله ضعيفاً على قوي، وقد ينصر الله قوياً على ضعيف، ليس المعيار معيار قوة وضعف وإنما للنصر معايير أخرى وأسباب أخرى هي في ملك الله تبارك وتعالى يرفع هذا ويضع ذاك، فاليوم غُلبت الروم، غداً وبعد بضع سنين ستغلب الروم الفرس ويصيرون أهل غلبة، وذلك من تعديل الله تعالى للميزان، من جعل الله تعالى الأمور في الأرض متوازنة، كما قالها في سورة البقرة"وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ" [البقرة: 251] ، وفي آية"وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا" [الحج: 40] ، فلله شأنٌ وحكمة في أن يُغلِّب هذا مرة وأن ينصر ذاك مرة، تبديل النصر من هنا إلى هناك إنما هو من عند الله.