ثم يقول سبحانه: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم: 11] نلحظ أن الكلام هنا عن الخَلْق {الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ ...} [الروم: 11] لكن انتقل السياق من المفرد إلى الجمع {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم: 11] ولم يقل يرجع أي: الخلْق ، فلماذا؟
قالوا: لأن الناس جميعاً لا يختلفون في بَدْء الخلق ولا في إعادته ، لكن يختلفون في الرجوع إلى الله ، فهذا مؤمن ، وهذا كافر ، هذا طائع ، وهذا عاصٍ ، وهذا بين بين ، ففي حال الرجوع إلى الله ستفترق هذه الوحدة إلى طريقين: طريق للسعداء ، وطريق للأشقياء ، لذلك لزم صيغة الإفراد في البَدْء وفي الإعادة ، وانتقل إلى الجمع في الرجوع إلى الله لاختلافهم في الرجوع
ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ...} .
معنى {يُبْلِسُ المجرمون} [الروم: 12] أي: يسكتون سُكوتَ اليائس الذي لا يجد حجة ، فينقطع لا يدري ما يقول ولا يجد مَنْ يدافع عنه ، حتى قادتهم وكبراؤهم قد سبقوهم إلى العذاب ، فلم يعُدْ لهم أمل في النجاة ، كما قال تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة ...} [هود: 98] ، ومن ذلك سُمِّي (إبليس) ؛ لأنه يئس من رحمة الله .
وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] .
أي: لما نسوا منهج الله أراد سبحانه أن يعاقبهم في الدنيا ، وحين يعاقبهم الله في الدنيا لا يأخذهم على حالهم إنما يُرخي لهم العَنان ، ويُزيد لهم في الخيرات ، ويُوسِّع عليهم مٌتَع الدنيا وزخارفها ، حتى إذا أخذهم على هذه الحال كان أَخْذه أليماً ، وكانت سقطتهم من أعلى .