إذن: ساعة الجد تنهار كل هذه الصلات الواهية ، وتتقطع كل الحبال التي تربط أهل الباطل في الدنيا {وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ} [الروم: 13] ولِمَ لا وقد تكشفتْ الحقائق ، وظهر زيفهم وبان ضلالهم؟
ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ...} .
أي: الذين اجتمعوا في الدنيا على الشر وعلى الضلال يتفرقون يوم القيامة ، ويصيرون أعداءً وخصوماً بعد أنْ كانوا أخلاء ، فيمتاز المؤمنون في ناحية والكافرون في ناحية ، حتى العصاة من المؤمنين الذين لهم رائحة من الطاعة لا يتركهم المؤمنون ، إنما يشفعون لهم ويأخذونهم في صفوفهم .
والتنوين في {يَوْمَئِذٍ . .} [الروم: 14] بدل من جملة {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ...} [الروم: 14] أي: يوم تقوم الساعة يتفرقون .
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15)
ما دام الخلق سيمتازون يوم القيامة ويتفرقون ، فلا بُدَّ أن نرى هذه القسمة: الذين آمنوا والذين كفروا ، وها هي الآيات تُرينا هذا التفصيل: {فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ...} [الروم: 15] فما جزاؤهم {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [الروم: 15] الروضة: هي المكان المليء بالخضرة والأنهار والأشجار والنضارة ، وكانت هذه عادة نادرة عند العرب ؛ لأنهم أهل صحراء تقلُّ في بلادهم الحدائق والرياض .
لذلك ، فالرياض والبساتين عندهم شيء عظيم ونعمة كبيرة ، ومعنى {يُحْبَرُونَ} [الروم: 15] من الحبور ، وهو الفرحة حينما يظهر عليك أثر النعمة ، هذا عن المؤمنين ، فماذا عن الكافرين؟
ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ ...} .