لا بُدَّ أن تفهم المعنى هنا ، حتى لا تتهم أسلوب القرآن ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليصلح مجتمعاً فاسداً منحرفاً يدين بالشرك والوثنية ، فالمعنى: مائلاً عن هذا الفساد ، ومائلاً عن هذا الشرك ، وهذه الوثنية التي جئت لهدمها والقضاء عليها ، ومعنى: مال عن الباطل . يعني: ذهب إلى الحق .
و (أَقِمْ) هنا بمعنى: أقيموا ، لأن خطاب الرسول خطاب لأمته ، بدليل أنه سبحانه سيقول في الآية بعدها: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...} [الروم: 31] ولو كان الأمر له وحده لَقالَ منيباً إليه ، ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ...} [الطلاق: 1] .
فالخطاب للأمة كلها في شخص رسول الله ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو المبلِّغ ، والمبلِّغ هو الذي يتلقى الأمر ، ويقتنع به أولاً ليستطيع أنْ يُبلِّغه ؛ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ...} [الأحزاب: 21] .
وقال {حَنِيفاً ...} [الروم: 30] لأن الرسل لا تأتي إلا على فساد شمل الناس جميعاً ؛ لأن الحق سبحانه كما خلق في الجسم مناعة مادية خلق فيه مناعة قيمية ، فالإنسان تُحدِّثه نفسه بشهوة وتغلبه عليها ، فيقع فيها ، لكن ساعة ينتهي منها يندم عليها ويُؤنِّبه ضميره ، فيبكي على ما كان منه ، وربما يكره من أعانه على المعصية .
وهذه هي النفس اللوامة ، وهي علامة وجود الخير في الإنسان ، وهذه هي المناعة الذاتية التي تصدر من الذات .
وفَرْق بين مَنْ تنزل عليه المعصية وتعترض طريقه ، ومَنْ يُرتِّب لها ويسعى إليها ، وهذا بيِّن في قوله تعالى: {إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ...} [النساء: 17] .