وأقرب مالهم في الجواب أن يقال: فقد بطل عندنا وعندكم أن يهديهم الله سبحانه على طريق الإلجاء والإجبار والإكراه ، فصار يؤدّي ذلك إلى مذهب الجبرية ، وهو مذهب رَذْل عندنا وعندكم ؛ فلم يبق إلا أن المهتدين من المؤمنين إنما هداهم الله تعالى إلى الإيمان والطاعة على طريق الاختيار حتى يصح التكليف فمن شاء آمن وأطاع اختياراً لا جبراً ؛ قال الله تعالى: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] ، وقال: {فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} [المزمل: 19] .
ثم عقّب هاتين الآيتين بقوله تعالى: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} .
فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم ، ونفى أن يشاؤوا إلا أن يشاء الله ؛ ولهذا فرّطت المجبرة لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق بمشيئة الله تعالى ، فقالوا: الخلق مجبورون في طاعتهم كلها ، التفاتاً إلى قوله: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} .
وفرّطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق بمشيئة العباد ، فقالوا: الخلق خالقون لأفعالهم ، التفاتاً منهم إلى قوله تعالى: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} .
ومذهبنا هو الاقتصاد في الاعتقاد ؛ وهو مذهب بين مذهبي المجبرة والقدرية ؛ وخير الأمور أوساطها.
وذلك أن أهل الحق قالوا: نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه ، وهو أنا ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش الواقعة في يد الإنسان بغير محاولته وإرادته ولا مقرونة بقدرته ، وبين حركة الاختيار إذا حرّك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش ؛ ومن لا يفرق بين الحركتين: حركة الارتعاش وحركة الاختيار ، وهما موجودتان في ذاته ومحسوستان في يده بمشاهدته وإدراك حاسته فهو معتوه في عقله ومختلّ في حسه ، وخارج من حزب العقلاء.
وهذا هو الحق المبين ، وهو طريق بين طريقي الإفراد والتفريط.
و:
كِلا طَرَفَيْ قصد الأمور ذَمِيمُ ...