وَإِلَى هَذَا الْوَجْه الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى {أم لم يعرفوا رسولهم فهم لَهُ منكرون} وَقَوله {أَسحر هَذَا وَلَا يفلح الساحرون} كَمَا تقدم فِي كَلَام مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَقَوله تَعَالَى {اتبعُوا من لَا يسألكم أجرا وهم مهتدون} وأمثالها وَفِي آيَة يسن إشارة إِلَى أَن الْكَذِب على الله وعَلى الْخلق فِي غَايَة الْقبْح ونفرة الْعُقَلَاء عَنهُ متمكنة فَلَا يُمكن صدوره من أهل الْعُقُول الراجحة والزهد المجرب لِامْتِنَاع وُقُوع الْمَرْجُوح عقلا وسمعا وَهَذِه وأضعاف أضعافها صِفَات الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام كَمَا أوضحته فِي الْبُرْهَان الْقَاطِع ثمَّ أن الله تَعَالَى جعل فِي بعض أَحْوَال الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم زيغ وَمرض وعمى كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمَا أرسلنَا قبلك من الْمُرْسلين إِلَّا إِنَّهُم ليأكلون الطَّعَام ويمشون فِي الْأَسْوَاق وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبك بَصيرًا} وَذَلِكَ ليبقى الِابْتِلَاء الَّذِي اقتضته الْحِكْمَة حِين كَانَ فِي أَسمَاء الله الْمُبْتَلى وَالْبَاطِن وَالظَّاهِر كَمَا مضى فَمن كَانَ نظره من الْجِهَات الْمُنَاسبَة لاسمه الظَّاهِر رشد وَسعد وَمن كَانَ نظره على الْعَكْس من ذَلِك وَقع فِي المحارات وَبعد من مسالك النجَاة فَكُن من ذَلِك على حذر وافزع إِلَى الله واستعذبه من ذَلِك وَهُوَ الْهَادِي وَلَا يهدى إِلَّا الله.
الْوَجْه الثَّالِث أَنه يظْهر على كل نَبِي مَا يميزه من السَّحَرَة وَأهل الْحِيَل مِثَال ذَلِك إِيمَان السَّحَرَة بمُوسَى واعترافهم أَن الَّذِي جَاءَ بِهِ لَيْسَ فِي جنس السحر وإحياء عِيسَى للموتى وَذَلِكَ أن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ فِي وَقت ظهر فِيهِ علم السحر وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ فِي زمن ظهر فِيهِ علم الطِّبّ فجَاء كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا يعرفهُ أهل عصره وَكَذَلِكَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي زمَان ظَهرت فِيهِ الفصاحة فجَاء بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِم مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من وُجُوه الإعجاز