ثمَّ إنه ظهر لنا فِي حق نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُمُور كَثِيرَة تميزه عَن السَّحَرَة والمحتالين مِنْهَا وُرُود الْبشَارَة بِهِ فِي التَّوْرَاة والإنجيل قَالَ الرَّازِيّ فِي كِتَابه الْأَرْبَعين وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه ادّعى أَن ذكره مَوْجُود فيهمَا قَالَ الله تَعَالَى {الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل} وَقَالَ حِكَايَة عَن عِيسَى الْمَسِيح {وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد} وَقَالَ {الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم} وَمَعْلُوم أَنه لَو لم يكن صَادِقا فِي ذَلِك لَكَانَ هَذَا من أعظم المنفرات عَنهُ للْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا يُمكن أَن الْعَاقِل يقدم على فعل يمنعهُ من مَطْلُوبه وَيبْطل عَلَيْهِ مَقْصُوده وَلَا نزاع بَين الْعُقَلَاء أنه كَانَ أَعقل النَّاس وأحلمهم انْتهى.
وَمِنْهَا مَا ظهر من كراماته فِي أَيَّام الْحمل بِهِ وَأَيَّام الطفولية مثل مَا روى مُسلم فِي الصَّحِيح وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أنس أَن جِبْرِيل أَتَاهُ وَهُوَ يلْعَب مَعَ الصّبيان فشق بَطْنه واستخرجه وَجَاء الغلمان يسعون إِلَى ظيره فَقَالُوا أن مُحَمَّدًا قد قتل وَهُوَ منتقع اللَّوْن قَالَ أنس قد كنت أرى ذَلِك الْمخيط فِي صَدره
وَمِنْهَا علم جَمِيع من آمن بِهِ من أَهله وَأَصْحَابه وَأهل بَلَده ببراءته من التُّهْمَة بِالسحرِ وَلَا شكّ أن علمهمْ بذلك ضَرُورِيّ كَمَا يعلم ذَلِك أَحَدنَا فِي كثير من أَهله وخاصته وجيرانه وَأهل زَمَانه وَلذَلِك حصل مَعنا الْعلم الضَّرُورِيّ بذلك عَن خبرهم وَلَو كَانَ خبرهم عَن ظن لم يحصل لنا مِنْهُ علم ضَرُورِيّ وَمن لم يحصل لَهُ هَذَا الْعلم الضَّرُورِيّ فَذَلِك لتَقْصِيره فِي علم الحَدِيث وَالسير والتاريخ على أَنا غير مُحْتَاجين إِلَى شَيْء من هَذَا لما قدمْنَاهُ من أنه لَا يُمكن السحر فِي الْقُرْآن لدوامه وعظيم مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من البلاغة والعلوم وَلَو أمكن ذَلِك بِالسحرِ لامكن السَّاحر أَن يكون كَلَامه بليغا مفهوما وَلما حصلت الثِّقَة بِكَلَام وَلَا كتاب على وَجه الأَرْض