فهرس الكتاب
قال الله - جلَّ جلالُه - معبرًا عن وصف هذه الحال: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ(21)
ولم يقل:"أقسم لهما"بل أخرج ذلك على وزان المفاعلة عبارة عن
وجود المراجعة لمقام الكراهة منه، والمشايعة لإنفاد المقدور ومناوشة النزوع
والهرب لأجل الإيمان الموجود في نفسه، وعظمة الله في قلبه. انتهى.
فصل
قوله - جلَّ جلالُه -: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا...) لما
أصغيا إلى وسوسة العدو - لعنه الله - وإلقائه العوراء إليهما من القول وأقراه على
ذلك كانت بداية العقوبة مما يجانس ذلك ظهور العورة منهما؛ إذ لم يستعيذا بالله
من شره وشر كيده، فكانت الغيبة حينئذ عن الذكر سببًا للغيبة اليوم عنه إلى دار
الدنيا، وكان أكلهما من الشجرة المنهي عن أكلها سببًا لمأكولات حرام في الدنيا
ومباشرتها، وكان اتزارهما بورق الجنة علامة لتبديل اللباس.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"تحاج آدم وموسى عند ربهما، قال موسى لآدم: أنت أبو"
البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، أخرجت الناس
بخطيئتك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى رسول الله وكليمه، آتاك من علم كل
شيء ، وكتب لك التوراة بيده، فبكم وجدت ذلك كتب عليَّ قبل أن أخلق؟ قال:
بأربعين سنة. قال: أفتلومني على شيء كُتب عليَّ قبل أن أخلق بأربعين سنة؟"قال"
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"فحج آدم موسى"قالها مرتين.
أي: إنه حجه بأن عمل ما سبق له في علم الله، وكتابه أنه لا بد عامله وتمت
محاجته إياه، فإنه قد تاب إلى ربه - عز وجل - من ذلك الذنب، وحاجه أيضًا بأن ذنبه ذلك
مع ارتباطه بالتوبة كان سببًا إلى حلوله فيِ المحل الأعلى مع الرفيق الأفضل في
الملك الدائم والخلود السرمد والنعيم المقيم، ولذلك كرر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر
المحاجة مرتين.
(فصل)
امتحن الله آدم بالشجرة كما امتحن إبليس - لعنه اللَّه - بآدم صلوات الله عليه،
فكان منهما ما سبق لهما في علم الله - جلَّ جلالُه - بهما، فأما آدم - عليه السلام - فتاب إلى ربه وأناب