واختار أبو عبيدة القراءة الثانية ، قال: لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه ، وتقول: تسمعت إليه {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلّ جَانِبٍ * دُحُوراً} أي: يرمون من كلّ جانب من جوانب السماء بالشهب إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع ، وانتصاب {دحوراً} على أنه مفعول لأجله.
والدحور: الطرد ، تقول: دحرته دحراً ، ودحوراً: طردته.
قرأ الجمهور {دحوراً} بضم الدال ، وقرأ عليّ ، والسلمي ، ويعقوب الحضرمي ، وابن أبي عبلة بفتحها.
وروي عن أبي عمرو: أنه قرأ"يقذفون"مبنياً للفاعل ، وهي قراءة غير مطابقة لما هو المراد من النظم القرآني ، وقيل: إن انتصاب {دحوراً} على الحال ، أي: مدحورين ، وقيل: هو جمع داحر نحو قاعد ، وقعود ، فيكون حالاً أيضاً.
وقيل: إنه مصدر لمقدّر ، أي: يدحرون دحوراً.
وقال الفراء: إن المعنى: يقذفون بما يدحرهم ، أي: بدحور ، ثم حذفت الباء ، فانتصب بنزع الخافض.
واختلف هل كان هذا الرمي لهم بالشهب قبل المبعث ، أو بعده؟ فقال بالأوّل طائفة.
وبالآخر آخرون.
وقالت طائفة بالجمع بين القولين: إن الشياطين لم تكن ترمى قبل المبعث رمياً يقطعها عن السمع ، ولكن كانت ترمى وقتاً ، ولا ترمى وقتاً آخر ، وترمى من جانب ، ولا ترمى من جانب آخر ، ثم بعد المبعث رميت في كلّ وقت ، ومن كلّ جانب حتى صارت لا تقدر على استراق شيء من السمع إلا من اختطف الخطفة ، فأتبعه شهاب ثاقب ، ومعنى {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} : ولهم عذاب دائم لا ينقطع ، والمراد به: العذاب في الآخرة غير العذاب الذي لهم في الدنيا من الرمي بالشهب.
وقال مقاتل: يعني: دائماً إلى النفخة الأولى ، والأوّل أولى.
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الواصب: الدائم.