أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ - أي بالطاعة وفيه تقرير مع توبيخ وتعجيب والبرّ التوسع في الخير مشتق من البر وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير - قال البغوي نزلت في علماء اليهود وذلك ان الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا ساله عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم اثبت على دينه فان أمره حق وقوله صدق - وكذا اخرج الواحدي عن ابن عباس - وقيل هو خطاب لاحبارهم حيث أمروا اتباعهم بالتمسك بالتورية وهم خالفوا التورية وغيروا نعت محمد صلى الله عليه وسلم فيه - وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ تتركونها من البر كالمنسيات - وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ التورية وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وفيها الوعيد على العناد ومخالفة القول العمل وترك البر أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) قبح صنعكم أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون قبح عاقبته - والعقل في الأصل الحبس ومنه
عقال الدابة - فان العقل يمنع الإنسان عما يضره يعنى ما تفعلون مخالف للعلم والعقل - روى البغوي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رايت ليلة اسرى بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبرئيل قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب - وروى ايضا عن اسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتابه فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك الست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت أمركم بالمعروف ولا اتيه وأنهاكم عن المنكر واتية - قال البيضاوي المراد بالآية حث الواعظ على تزكية النفس وتكميله لا منع الفاسق عن الوعظ فان الإخلال بأحد الامرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالاخر - قلت فمعنى قوله تعالى. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ان معصية العالم اكبر مقتا عند الله من معصية الجاهل لا ان أمره بالمعروف ممقوت - والله اعلم ثم لمّا أمرهم الله تعالى بما شق عليهم من ترك الرياسة والاعراض عن الدنيا ارشدهم بما يعينهم على ذلك ويكفيهم في إنجاح حوائجهم فقال.