فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 388171 من 466147

وقدَّم الموت حتى لا نستقبل الحياةَ ببطر وغرور، إنما نستقبلها ونحن نعلم أننا صائرون إلى الموت، منتهون إليه. ويجب أنْ نعلم أن الدنيا بالنسبة للإنسان ليست هي بطولها من لدن آدم حتى قيام الساعة، إنما الدنيا بالنسبة لك هي مقدار مُكثك فيها، وحتى هذا العمر مظنون وليس مضموناً، فمن الناس مَنْ يولد ويموت بعد لحظة، وآخر بعد شهور، وآخر بعد سنين.

لذلك قال أحد الصالحين: وعلمت أن لي أجلاً يبادرني فبادرته، وعلمتُ أني لا أخلو من نظر الله طرفةَ عين فاستحييت أنْ أعصيه، وعلمتُ أن لي رزقاً لا يتجاوزني وقد ضمنه الله لي فقنعتُ به، فهكذا ينبغي أن يكون أسلوبك في الحياة، فأنت فيها ضيف لستَ أصيلاً.

لذلك قال أهل المعرفة: اجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك - الذي يُواليك بالنعم كل يوم - واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه طرفةَ عين، واجعل خضوعك لمَنْ لا تخرج عن ملكه وسلطانه .. هذه أصول يجب أنْ نسير عليها، ومبدأ نلتزم به. والموت كما قلنا نقيض الحياة، فإذا لم نَكُنْ قد شاهدنا مراحل الخَلْق فقد شاهدنا بالتأكيد مراحل الموت، فخُذْ من هذا دليلاً على هذا.

تعلمون أن نقضَ أيِّ بناء يكون على عكس بنائه، فلو أردنا مثلاً هدم عمارة من عشرة أدوار، فإننا نبدأ بهدم الدور العاشر وننتهي بالدور الأول، على عكس البناء، كذلك الموت يبدأ بخروج الروح، وهي أخر شيء في عملية الخَلْق، ثم يتصلب الجسد، فيكون أشبهَ بالصلصال، ثم يرمّ وتتغير رائحته مثل الحمأ المسنون ثم يتحلل ويعود إلى الطين والتراب.

إذن: إنْ كانت عملية الخَلْق غيباً عنا كما قال سبحانه:

{مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف: 51] فعملية الموت شاهدناها.

وقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42] الأنفس جمع النفس، والنفس هي مجموع التقاء مادة الجسد بالروح، بحيث تنشأ منهما الأغيار الموجودة في الجوارح، فالمادة وحدها لا تُسمَّى نفساً، والروح وحدها لا تُسمَّى نفساً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت