فهرس الكتاب
لحفظ صورة الشيء فِي النفس ، كما أن النسيان والترك سبب لانحداقها عنها ، فمن قال: الذكر والنسيان ليسا من فعل الإنسان ، فإنما نظر إلى الغاية التي هي السبب دون المبدأ الذي هو السبب ومن قال"قد يكون من فعل الإنسان ، فإنما اعتبر السبب الذي عنده يحصل ويثبت صورة الشيء فِي النفس ، وعنده ينحذف ، ومعنى الآية: قلت إن موسى - عليه السلام - لما أتى بني إسرائيل بالتوراة متضمنة لأحكام شريعتهم ، أبوا أن يلزموها ، فأمر الله الملائكة أن ترفع الطور ، فقيل لهم: خذوها وإلا طرح عليكم ، وذلك قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} الآية"
إن قيل: إن هذا يكون إلجاء ، ولا يستحق به الثواب ، قيل: لم يستحقوا الثواب بالالتزام ، وإنما استحقوا بالعمل بها من بعد ، فأما فِي التزامها فمضطرون ، وقال بعض الناس:"عني برفع الطور تشديد الأمر عليهم وجعل ذلك مثلا"، وذلك بعيد ، وقوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} ، الواو فيه للحال لا للعطف ، لأن أخذ الوثاق كان بعد رفع الطور ، وذلك نحو قول الشاعر:
قالت ولم تقصد لقيل الخنا....
مهلا فقد أبلغت إسماعي
قوله - عز وجل:
{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
الآية: (64) سورة البقرة.
التولي: التفعل من الولاية فِي الأصل ، ويقتضي تولى الأمر حصوله فِي أقرب المواضع منه ، وإذا قيل: تولى عنه ، فمعناه ترك التولي معرضا ، فالتولي عن الشيء أخص من الإعراض ، والافضال والإحسان والإنعام لا يكاد يفرق بينهما فِي التعارف سيما إذا وصف به الباري سبحانه وإن كان قد
يخلف فِي أصل الموضوع ، ومن حيث الاشتقاق فالإفضال بذل مالا يجب عليه ، أو ترك ما يجب له وذلك من الفضل وهو الزائد على العدل ، والإحسان.