والحاصل أنه قسم به سبحانه حالهم في ردهم القرآن إلى التكذيب وغيره ، ولما كان التكذيب - وهو النسبة إلى الكذب وهو عدم المطابقة للواقع - إما في الإرسال ، وإما في المعاني ، وما وقع به الإرسال إما لنقص في الرسول وإما النقص في المرسل ، والذي في الرسول إما أن يكون لأمر خارج عنه أو لأمر داخل فيه ، ولما كان الخارج قد يكون معه نقص دخل بذاته ، ولما كان ذلك قد يكون فيه ما يمدح به ولو من وجه ، وهو الكهانة بدأ بها ، وأتبعه الداخل لذلك بادئاً بما قد يمدح به وهو الشعر.
ولما كان القول بجمع الكهانة والشعر والجنون في شخص واحد على غاية من ظهور التناقص لا يخفى ، أتبعها الرمي بالتهكم على عقولهم.
ولما كان الكذب في الرمي بالتقول قد يخفى ، أتبعه دليله بالعجز عن المعارضة.
ولما قسم ما رموا به الرسول ، أتبعهم ما ألزمهم به في المرسل ، ولما كان ذلك إما أن يكون بالتعطيل أو لا ، وكان التعطيل أشد ، بدأ به وهو الخلق من غير شيء ، ولما كان النقص مع الإقرار بالوجود إما أن يكون بالشركة أولاً ، وكان بالشركة إما أن يكون المكذب هو المشارك أولاً ، وكانت الشركة المكذب أقعد في التكذيب بدأبها ، ولما كانت شركة المكذب إما أن تكون في الخلق أو لا ، وكان الأول إما أن يكون بخلق النفس أو الغير ، وكانت الشركة بخلق النفس ألصق ، بدأ بها قوله: {أم هم الخالقون} ولما كانت الشركة بغير الخلق إما أن يكون بضبط الحواس أو لا ، وكان الثاني إما أن يكون بضبط الكتاب فيها وإليه الإشارة بالمسيطر ، أو بضبط ما يؤمر به فيها وإليه الإشارة بالسلم أو بسفه صاحب الخزائن لرضاه بالبنات ، وكان كل قسم أشد مما بعده رتبه هكذا.