حقُّ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - على العباد عظيم، ومهما بذلوا وقدَّموا تُجاهه، فهو بعض حقه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد سبَقهم بفضله عليهم؛ إذ أخرجهم به الله - تعالى - من الهلاك إلى الحياة، ومن الظلمات إلى النور، ومن العذاب إلى النعيم، ومن الذل إلى العز؛ حيث أمرهم - صلى الله عليه وسلم - بعبادة خالقهم وخالق كلِّ شيءٍ: الله - تعالى - وحْده لا شريك له، فعصَم - صلى الله عليه وسلم - بها دماءهم، وصان بها أعراضهم وأنسابهم، وحفِظ بها عقولهم وأموالهم، وأعلى بها مكانتهم، وأعزَّ بها ديارهم، وجعل لهم عبادة الله - تعالى - طريقًا لهم إلى الجنة، ونجاةً من النار، بعد أن كانوا يذلون أنفسهم بعبادة المخلوقات من الأنبياء والملائكة والكواكب، والبقر والنار، والأحجار والأشجار وغيرها، ويُرهقونها بالخوف من الإنس والجان، فحُرِموا السعادة في الدنيا؛ لعدم عبادتهم لله وحْده، فعاشوا بشقاءٍ؛ يَظلم قويُّهم ضعيفَهم، وتُؤكَل أموالهم بالباطل، وتَفسُد عقولُهم بالخمر والجهل، لا يعرفون مكانة لأنفسهم، ولا قدرًا لكبارهم، ولا رحمة لضُعفائهم ونسائهم، ولا قيمة لعقولهم، وظلموا أنفسهم في الآخرة؛ إذ بكفرهم حرَموها نعيم الجنة، وتسبَّبوا في دخولها النار؛ ولذلك وجب عليهم حقُّ هذا النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وذلك من عدة أمور، وفي جميعها الخير لهم، وهذه الأمور أهمها ثلاثة عشر:
الأمر الأول: يؤمنون به - صلى الله عليه وسلم - رسولاً للعالمين ورحمةً لهم؛ قال الله العظيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] ، وقال - جل من قائل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .