(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى(33)
أي: أبَعْد علمك بأن اللَّه هو أعلم بحال الإنسان منه
بنفسه أخبرني عن حال من أراد سلوك سبيل الآخرة والوصول إلى اللَّه استقلالا. تعجيب
(وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى(34)
وأمسمك بعده عن الخير اكتفاء بذلك القليل. أصله
أكداء الحافر وهو أن يلقاه كدية أي: صخرة فيمسك عن الحفر.
والآية نزلت في الوليد بن المغيرة أراد أن يتبع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فعيِّره بعض
المشركين، وقال: تترك دين الأشياخ؛ فقال: إني أخاف عفاب اللَّه. فقال: أعطني بعض
مالد وأنا أحمل عنك العذاب، ففعل معتقدا ذلك. ونزولها في عثمان، وتفسير التولي
بالفرار يوم أحد باطل؛ لأن السورة من أول ما نزل بمكة.
(أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ ...(35)
ما فيه العلم بالمغيبات وهو اللوح. (فَهُوَ يَرَى) يشاهد
ما فيه، فلذلك اكتفى به واستغنى عن اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى(36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)
والمعنى: أن هذا شرع قديم ليس من خواص ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فهلا استغنى في
ذلك علماء أهل الكتاب، ليخبروه بجليِّة الحال. وتقديم موسى؛ لكون كتابه أشهر،
والاطلاع على ما فيه أيسر. ولا ينافيه قوله: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى(18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ
وَمُوسَى)؛ لأن الغرض هناك تفرير كون الآخرة خير وأبّقى، وذلك مما سطر في صحف
إبراهيم فضلاً عن التوراة"الذي هو أعلى وأجل، ولما تأخر ذكره زاده وصفا، وهو التوفية"
المبالغة في الوفاء، وأطلق ليتناول كل وفاء، من تبليغ الرسالة، والقيام بسائر المكارم، من ذبح
الولد، والصبر على نار نمرود. قيل: كان عاهد اللَّه أن لا يسأل غيره، فلما أُلقي في النار
لقيه جبرائيل، فقال له: هل من حاجة يا خليل اللَّه؟ فقال: أما إليك فلا، فقال: سل ربك
قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. وروى الترمذي عن أبي ذر أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: