{أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا} [النمل: 67] ، فعطف بالآباء على المكنيّ في {كُنَّا} من غير إظهار نحن ، فكذلك قوله:
{فَاسْتَوَى وَهُوَ} قال: وذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده:
ألَم تَر أن النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ولا يستوي والخِرْوعُ الْمُتَقَصِّفُ
وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه ، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك ، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء ، بل قبلها ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض ، فهبط عليه جبريل عليه السلام ، وتدلى إليه ، فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها ، له ستمائة جناح ، ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ، يعني ليلة الإسراء ، وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة ، بعد ما جاءه جبريل عليه السلام أول مرة ، فأوحى الله إليه صدر سورة اقرأ ، ثم فترة الوحي فترة ( ذهب النبي صلى الله عليه وسلم فيها مراراً ليتردى من رؤوس الجبال ) ، فكلما همَّ بذلك ناداه جبريل من الهواء: يا محمد ! أنت رسول الله حقا ، وأنا جبريل ، فيسكن لذلك جأشه ، وتقر عينه . وكلما طال عليه الأمر ، عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح في صورته التي خلقه الله عليها ، له ستمائة جناح ، قد سدّ عظم خلقه الأفق ، فاقترب منه ، وأوحى إليه عن الله عز وجل ما أمره به ، فعرف عند ذلك عظمة الملَك الذي جاءه بالرسالة ، وجلالة قدره ، وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه . انتهى .
أقول: قد وافق القاشانيّ ابن جرير في تأويل الآية ، وعبارته: