يأتي بنا إلى الكلام على ما أطلق العلماء عليه الفاصلة القرآنية. العربي يميل بطبعه إلى رتابة النهايات في الجُمل لذلك جاء عنده السجع والسجع يراه كلاماً عالياً لما يكون الكلام مسجوع في النثر، والسجع هو أن تنهي الجمل بحرف واحد مثلما قال: من مات فات وكل ما هو آتٍ آت. وفي الشعر هناك القافية، حرف الرويّ الذي هو فيها ملازم لحرف واحد يأتي. هذه طبيعة قبائل العرب يميلون إلى ذلك، يأنسون به، يرون فيه نوعاً - على قولهم - من الموسيقى يأنسون لها، هذه الرتابة كأنها رتابة سير الجمل يرفع قدمه ثم تستقر في موضع واحد.
هذه السورة لما نأتي إلى القرآن الكريم نجد نهايات الآيات أو ما يسمى برؤوس الآي تلزم في كثير من الأحيان حرفاً واحداً علماؤنا تحرّجوا أن يسمونه سجعاً أو أن يسموا ذلك قافية إبتعاداً بالقرآن عن لفظ السجع والقافية لأنه من كلام البشر فأطلقوا عليه كلمة الفاصلة القرآنية، فواصل القرآن فجاءت على ما يأنس به العربي. لكن هل كانت الفاصلة مرادة لذاتها من غير علاقة بالمعنى؟ الجواب قطعاً لا ولذلك - لعلنا ذكرنا هذا مرة - إذا كان المعنى يقتضي التضحية بالفاصلة فالآية تضحّي بالفاصلة. أمامنا نموذج، مثال، (إستطراد من المقدم سأل عن سورة الضحى فأجاب الدكتور أن سورة الضحى لم يضحي بالفاصلة وإنما أراد الفاصلة لكنه مرتبط بالمعنى لما قال(ما ودعك ربك وما قلى) ما قال ما قلاك، حصل على الفاصلة لكن في الوقت نفسه نزّه ضمير الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أن يرتبط بالقلا الذي هو البغض).
(وحملناه على ذات ألواح ودُسُر) : الدُسُر جمع دسار مثل كتب وكتاب والدسر أو الدسار العربي يستعملها لمعنى المسمار لأن أصل دسر بمعنى أدخل بقوة أو شدّ بقوة. إن أراد الإنسان أن يربط خشبتين بحبل لا بد أن تربط بقوة، فهذه العملية يقولون دسر فإما بمعنى المسمار وإما بمعنى الحبل وقسم يقول حبل الليف على وجه الخصوص والظاهر أنه الليف لأن هذه الخيوط المترابطة التي تحتضن النخلة وتحصر السعف حتى لا يتساقط، فهذا ينسجون منه الحِبال. (حملناه على ذات ألواح ودسر) ذات ألواح ودسر يعني الفلك لكن لم يذكرها وإنما ذكر الصفة. حذف الموصوف وذكر الصفة. لدينا منه أمثلة: بيت للمتنبي الذي كان فارساً شاعراً وقتله بيتٌ من الشعر، قال:
مفرشي صهوة الحصان ولكن قميصي مسرودةٌ من حديد