الوجه الثالث: جائز أن يستره الله عنهم بغيم أو يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور لضرب من التدبير ولئلا يدعيه بعض المتنبئين في الآفاق لنفسه فأظهره للحاضرين عند دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياهم واحتجاجه عليهم.
الوجه الرابع: أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ نَفَاهُ، وَهَذَا كَافٍ، فَإِنَّ الْحُجَّة فِيمَنْ أَثْبَتَ لَا فِيمَنْ يُوجَد عَنْهُ صَرِيح النَّفْي، حَتَّى إِنَّ مَنْ وُجِدَ عَنْهُ صَرِيح النَّفْي يُقَدَّم عَلَيْهِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ صَرِيح الْإِثْبَات.
الوجه الخامس: إِنَّ زَمَن الِانْشِقَاق لَمْ يَطُلْ وَلَمْ تَتَوَفَّر الدَّوَاعِي عَلَى الِاعْتِنَاء بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَعَثَ أَهْل مَكَّة إِلَى آفَاق مَكَّة يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَتْ السِّفَار وَأَخْبَرُوا بِأَنَّهُمْ عَايَنُوا ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ فِي اللَّيْل غَالِبًا يَكُونُونَ سَائِرِينَ فِي ضَوْء الْقَمَر وَلَا
يَخْفَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.
الوجه السادس: أنها لم تكن متوقع الحصول لأهل العلم لينظروها في وقتها ويروها كما أنهم يرون هلال رمضان والعيدين والكسوف والخسوف في أوقاتها غالبًا لأجل كونها متوقع الحصول، ولا يكون نظر كل واحد إلى السماء في كل جزء من أجزاء النهار أيضًا فضلًا عن الليل. فلذلك رأى الذين كانوا طالبين لهذه المعجزة وكذلك من وقع نظره في هذا الوقت إلى السماء كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الكفار لما رأوها قالوا: سحركم ابن أبي كبشة فقال أبو جهل: هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا رأوا ذلك أم لا؟ فأخبر أهل آفاق مكة أنهم رأوه منشقًا، وذلك لأن العرب يسافرون في الليل غالبًا ويقيمون بالنهار فقالوا: هذا سحر مستمر. وفي المقالة الحادية عشر من تاريخ"فرشته"أن أهل مليبار من إقليم الهند رأوه أيضًا، وأسلم والي تلك الديار التي كانت من مجوس الهند بعد ما تحقق له هذا الأمر.
وقد نقل الحافظ المزى عن ابن تيمية أن بعض المسافرين ذكر أنه وجد في بلاد الهند بناءً قديمًا مكتوبًا عليه: (بني ليلة انشق القمر) .