فهرس الكتاب
يأتي وعده بالحياة والبعث من هذا الموت، فهذه فائدة قوله - عليه السَّلامُ -:(لَوْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ)لذلك نسب هذا الأجل إليه عز جلاله - وهو المسمى وما
سواه من الآجال دونه، فإنها عن أسباب وأواسط.
يقول - جلَّ ذكره: (لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) كريم المآب الذي يصيركم إليه إن آمنتم
فالموت إذًا للمؤمن نعمة، أي نعمة، إذ هو باب لخروجه من سجن سجن فيه لأجل
الذنب، وقد غلب أرحم الراحمين أحد الوجهين المترددين من موته أو بقائه في
الدنيا؛ ذلك لرجعه من حيث أخرجه من أجل ذنبه.
ولهذه الرحمة تعلو درجة الأنبياء لا يقبضهم الله حتى يخيرهم في البقاء أو
الخروج منها إليه، ثم يقدر عليهم محبة لقائه والرجوع إليه، فمن الواجب على كل
مؤمن أن يستعمل نفسه بمحبة وفاة الله إياه والرجوع إليه، وتعجيل الراحة من هذه
الدار من عدو مرصد ونفس بالسوء أمارة، واشتغال عن الله - جلَّ جلالُه - بالأهل والولد
والمال والغاشية؛ وليدرس هذا درسًا شافيًا ويعمل عليه، ففي ذلك الخير كله
والراحة الجمعاء، والمرجوع إليه هو أرحم الراحمين، وهو الرءوف الرحيم، ربما
نعلق قلب المؤمن بأن الموت يقطع عليه عمله صلاته وصيامه وجهاده وتعلمه
العلم، قد جاء أن المؤمن يجزى له أحسن عمله إن شاء الله.
يقول الله - جلَّ ذكره: (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) ومن عاش
على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه.
نظم بذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5) .
إلى قوله: (ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا(9) .
فأما موضع إعلانه وجهاره - والله أعلم - فقوله: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ
وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) . فهذا هو الإجهار والإعلان لظهور مفهوم
الجزاء بالإحسان لمن أحسن.
يقول الله - جل من قائل: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ(60) .