فهرس الكتاب
الثالثة: يقولون: ومن وجوه الطعن أيضًا ما روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى: {رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] . إنما هي: ووصى ربك التزقت الواو بالصاد وكان يقرأ: ووصى ربك. ويقول: أمر ربك. إنهما واوان التصقت إحداهما بالصاد، وروي عنه أنه قال: أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيكم. ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. فلصقت إحدى الواوين بالصاد فقرأ الناس: {وَقَضَى رَبُّكَ} ولو نزلت على القضاء ما أشرك أحد.
والجواب:
أولًا: الأثر لا يصح عن ابن عباس.
ثانيًا: أن هذه الروايات معارضة للمتواتر القاطع وهو قراءة وقضى؛ ومعارض
القاطع ساقط.
ثالثًا: أن ابن عباس نفسه وقد استفاض عنه أنه قرأ: وقضى، وذلك دليل على أن ما نسب إليه في تلك الروايات من الدسائس الرخيصة التي لفقها أعداء الإسلام.
قال القرطبي: ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك.
وقال: لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم: القضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى الأمر، كقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] معناه أمر. والقضاء بمعنى الخلق، كقوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12] يعني خلقهن.
والقضاء بمعنى الحكم، كقوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} [طه: 72] يعني: احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ، كقوله: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] أي: فرغ منه. ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] .
وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: 10] .