من العلوم العقلية والنقلية، ولقد خلطوا بذلك بين الخاثر والزباد، ولم يفرقوا بين غَي ورشاد، ولم يلذ لهم إلا خطاب أبناء فنِّهم في خطبة بَنات أفكارهم لتحصيل هذا المراد، ولو كان فيهم من دعاهم إلى ما تجول فيه بنات أفكار الأخيار من وصال أبكار المعاني الجاذبة لقلوب الأبرار إلى دار القرار، وزجرهم عما هم فيه من الغي، وقال: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [سورة هود: 78] لقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [سورة هود: 79] ، ولو كان فيهم شعيب لجادلوه ليستميلوه إلى ما تشعبت بهم فيه شعب الترديد، ولقال لهم: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [سورة هود: 89] .
كم نتقلب في عصر خؤون ليس لنا فيه مساعدون؛ فإنا لة وإنا إليه راجعون.
129 -ومن أخلاق الشيطان اللعين: محبة سماع ما كان من هذا القبيل من الأشعار.
فقد روى الطبراني بإسناد حسن، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ رَاكِبٍ يَخْلُو فِيْ مَسِيْرهِ بِاللهِ وَذِكْرِه إِلاَّ رَدِفَهُ مَلَكٌ، وَلا يَخْلُو بِشِعْرٍ وَنَحْوِهِ إِلا رَدِفَهُ شَيْطَانٌ".
وتقدم في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن إبليس قال
لله تعالى: اجعل لي قرآناً، قال: الشعر.
وهذا محمول على الشعر المكروه والمحرم دون المستحسن والمباح كالأشعار المشتملة على ذكر الله تعالى، أو مدح نبيه - صلى الله عليه وسلم - أو الأنبياء عليهم السلام، أو الصحابة، أو العلماء، أو بيان حكم شرعي، أو حكمة مرعية، وكالحداء.
وقد علمت مما سبق أن الشعر كلام؛ فحسَنه كحسنه، وقبيحُه كقبيحِه، كما في الحديث، وما كان منه قبيحا فهو قرآن الشيطان.
وحكي عن الفراء قال: أنشدني صبي من الأعراب أرجوزة أعجبتني، فقلت: لمن هذه؛ فقال: لي، فأنكرته، فأنشدني ارتجَالاً: من الرجز
إِنِّي وإنْ كُنْتُ صَغِيْرَ السِّنِّ ... وَكانَ فِيْ الْعَيْنِ نُبُوٌ عَنِّي