ثم أخبر عن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية لما كانت من حسن عهدها مع زوجها أن تحفظ وفاء بعده بالعدة حولاً ولا تخرحه من بيته سنة إظهاراً للوفاء، فالعبد المؤمن إذا لم يوف بعهده وأتى بالعاصي في حضرة ربه كل يوم كذا مرة يكون مع ادعاء إيمانه أقل وفاء وأدنى حياء من تلك المرأة مع كونها ونقصان عقلها بكثير، وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى لما أمر أولياء الزوج المتوفى بأن يوفوا مع الزوجة المعتدة الموفية مع زوجها بالنفقة والسكنى، فيستحق العبد المؤمن المعاهد لربه صدق قوله تعالى: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة: 111] ، وتحقيق قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] .
ثم أكد هذا المعنى بما أخبر عن حال المطلقات وما لهم من المتعات بقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241] ، الآيتين. والإشارة فيهما أن المطلقة لما ابتليت بالفراق، فالله تعالى جبر كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا إلى أن المريد الصادق لو ابتلي في أوان طلبه بفراق الأعزة والأقرباء وهجر الأحبة والأصدقاء والخروج عن مال الدنيا وجاهها والهجرة عن الأوطان وسكانها والتقرب في البلاد لصحبة خواص العباد ومقاسات الشدائد في طلب الفوائد فالله تعالى يبدل له إحسانه ويزيل أحزانه ويأخذ بيده ويجبر كسر قلبه بمتعة:"أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي"، فيكون للطالب الملهوف متاعاً بالمعروف {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ} [البقرة: 242] يظهر الله: {لَكُمْ آيَاتِهِ} [البقرة: 242] ، أصناف ألطاف وأوصاف إعطائه: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242] ، بأنوار ألطافه وكمالات أوصافه.