ثم اعلم أن مراتب المؤمنين في الإيمان متفاوتة، وهم ثلاثة طوائف: عوام المؤمنين وخواصهم وخواص الخواص، فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] ، والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ} [الرعد: 28] ، واطمئنان القلب بالذكر لم يكن إلا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية ومن صفة النفس الاطمئنان بالحياة الدنيا وشهواتها لقوله تعالى: {رَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} [يونس: 7] ، فلما استولى سلطان الذكر على نفس المؤمن وقلبه تنور النفس بنور، وخرجت من ظلمات صفاتها فتبدلت أخلاقها الذميمة بالحميدة، فيكون اطمئنانها مع الذكر يدل ما كانت مع الدنيا، فتستحق حينئذ أن يخرجها الله تعالى بخطاب: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 27 - 28] من ظلمات الصفات الغير المرضية إلى نور صفة {رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر: 28 - 29] أي مقام خواص عبادي وخواص الخاص يخرجهم من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفة القدم لهم لتفنيهم به كقوله تعالى: {فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ} [الكهف: 13 - 14] ، نسبهم إلى الفتوة لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق وآمنوا بالله وكفروا بالطاغوت أوقيانوس، فلما تقربوا إلى الله تعالى بقدم الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية، وقال تعالى: {زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] ؛ يعني: إذا خرجوا من ظلمات الكفر بقدم الفتوة إلى نور الهداية أخرجناهم بمزيد العناية من ظلمات النفسانية