علموا أنهم إن باهلوه نزل بهم مكروه، وأنهم إِذا تركوا المبالهة دل ذلك ضَعَفَهمْ.
ومن لا علم عنده أن فرارهم من المباهلة دليل على أنهم كاذبون، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صادق، وقيل إِن بعضهم قال لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ناراً ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة.
ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:
"لو باهلوني لاضطرم الوادي عليهم ناراً، وما بقي نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة".
وهذا مكان ينبغي أن يُنْعَمَ النظر فيه، ويعلم المؤمنون بيان ما هو عليه.
وما عليه من الضلال مَنْ خالفهم، لأنهم لم يَروِ أحَدٌ أنهم باهلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أجابوا إلى ذلك.
ومعنى قوله عزَّ وجلَّ: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62)
أي إن هذا الذي أوحينا إليك من هذه البينات والحجج التي آتيناك لهو
القصص الحق، ويصلح أن تكون (هو) ههنا فصلًا، وهو الذي يسميه الكوفيون عماداً، ويكون القصص خبر أن، ويصلح أن يكون (هو) ابتداء، والقصص خبره، وهما جميعاً خبر (إنَّ) .
ومعنى (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ) من دخلت توكيداَ. ودليلاً على نفي جميع من
ادعى المشركون أنهم آلهة. أي إن عيسى ليس بإله، لأنهم زعموا إنَّه إله، فأعلم الله عزَّ وجلَّ أن لا إله إلا هو، وأن من آتاه اللَّه آيات يعجز عنها المخلوقون فذلك غير مخرج له من العبودية للَّه، وتسميته إلهاً كفر باللَّه.
ومعنى (الْعَزِيزُ) : هو الذي لا يعجزه شيء .
و (الْحَكِيمُ) : ذو الْحكمة الذي لا يأتي إِلا ما هو حكمة.
وقوله جلَّ وعزَّ (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ(63)
أي فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان فإِن الله يعلم من يفسد من خلقه فيجازيَهُ على إِفساده.