فهرس الكتاب
قيل: تنبيهًا أن محبته إياهم لأجل التقوى، فإنك إذا قلت: جاءني زيد الظريف فأكرمته، لم يقتضِ صريح اللفظ أن إكرامك إياه لظرفه.
وفي الآية تنبيه على قياسٍ نتيجتُه أن الله تعالى لا يحبُّ اليهود بوجهٍ، وبيانه أن الله يحب المتقين، ومن لا يوف بعهده فليس بِمُتَّقٍ، واليهود غير موفين، فإذن لا يحبُّهم الله.
«إن قيل» : ما فائدة (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) بعد قوله: (لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) أفاد أنهم يشبهون ويروون ذلك.
وهذا تعريض منهم، وقوله: (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) تصريح منهم بالكذب، فوصفهم بأنهم يكذبون
تعريضا وتصريحا، أو تلاوة وتأويلًا، وفي هذا دلالة أن إيهام
الكذب قبيح، كما أن التصريح به قبيح، وأيضاً فإن الشيء قد يقال
هو من عند الله ولا يكون من الكتاب، فإن كل صواب وحكمة
فمن عند الله، وإن لم يكن منزلاً في كتاب، وعلى ذلك قال النبي
-صلى الله عليه وسلم -:"إذا أتاكم عني حديث يدل على هدى ويكف عن ردى فاقبلوه، قلته أو لم أقله، فإني قلته".
وفائدة (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بعد الذي تقدم ذكره تنبيا أن كلا الأمرين منهم كذب؛ لي الألسنة، وقولهم: هو من عند الله، وإعلام أن ليس كذبهم
مخصوصًا بهذين فقط، بل هم كَذَبة كقولك: فلان تقوَّل عليَّ كذا وهو كاذب. ثم قال: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) تشنيعا عليهم، وأنهم غير معذورين بوجه، إذ قد يعذر الإِنسان في بعض ما يظنه، ومن كذب عامدًا إليه وعالما به وهو يقصد به استجلاب نفع دنيوي فهو مستحقّ للذمّ.
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ}
وإنما قال: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) فذكر باللام لأن قولك: فلان
ليس له أن يفعل كذلك أبلغ من قولك: هو لا يفعل؛ لأن في
قولك ليس له أنه ممنوع منه، إما منعا من خارج كالقهر، وإما من
داخل من جهة العقل والتزام الشرع، وقد نبّه تعالى بذلك أن