فهرس الكتاب
وقال في البقرة: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) أن يُعَفِّي المذنب ما تقدّم من ذنبه بما يُوفَّى عليه من أفعاله الخير، وكان من ذنب الأحبار الذين ذكرهم في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ) ، أن قالوا للناس: ليس في التوراة ما يدل على نبوة محمد.
فصار من تمام توبتهم أن يبينوا للناس ما كتموه، ولما لم يكن في الموضعين هاهنا ذلك اقتصر في توبتهم على الإِصلاح.
وإنما أتبع التوبة في عامة المواضع الإِصلاح، فإن التوبة راجعة في الأصل إلى الاعتقاد والإِصلاح إلى الأعمال. وكلاهما مرادان، وعلى ذلك اتباع
عمل الصالحات بعد الإِيمان في كل موضع ذُكِرَا معا.
«إن قيل» : لِمَ قال هاهنا: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقال ثمَّ: (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ؟
قيل: كل واحدة من الصفتين؛ أعني اَلتَوَّاب والغفور يتضمَّن الأخرى، لكن التوّاب أخصّ والغفور أعم، فذكر حيث ما ذكر أعظم الذنبينْ الضلال والإِضلال التوّاب، وحيث ما ذكر أصغرهما - وهو الضلال دون الإِضلال - ذكر الغفور.
«إن قيل» : لِمَ قال ههنا: (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) ولم يقل: ثّمَّ؟
قيل: لما وصف ههنا قوما كان منهم إيمان متقدّم.
ثم حصل منهم كفر بعد إيمانهم، قال: (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) ليبيّن أن
الإِيمان المتقدم لا ينفعهم إذ قد أحبطوه وأبطلوه، وأن الذي
يُعتدُّ به هو ما يفعلونه من بعد، ولما لم يكن ثم كفر بعد إيمان متقدم استغنى عن ذكر (بَعْدِ ذَلِكَ) .
ودخول الفاء في قوله: (إِنَّ اللَّهَ) لتضمُّن الكلام معنى الجزاء، كأنه قيل: إن تابوا وأصلحوا يُغْفرْ لهم.
قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ)
«إن قيل» : كيف حرَّم هو على نفسه ما كان مباحا فأقره الله عليه، وحرّم النبي - صلى الله عليه وسلم - جاريته فعاتبه ومنعه؟
قيل: إن إسرائيل إما أنه حرَّم على نفسه لحم الإِبل، لأنه لم يكن يوافقه.