فهرس الكتاب
قال ابن عباس ومجاهد وأبو هريرة: كونهم خيرا هو أنه لم يؤمر نبي قبله بالقتال، وقهر الناس على الدخول فيما فيه صلاحهم إلا هذه الأمة، فإن الله يقودهم بالسلاسل من الكفر إلى الإِيمان، وقال غيرهم: لم يكن في أمة من الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر أكثر مما في هذه الأمة.
«إن قيل» : لم أخَّر الإِيمان بالله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قيل: الإِيمان هاهنا ليس هو الإِقرار بالله فقط، بل هو الوفاء
بشروطه والقيام بشرائعه، الذي هو تمام الإِيمان وكماله
على ما ذكرناه فيما تقدم، وقال: (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
فقابل به المؤمنين، لأن الفسق أعم من الكفر، فبيّن أن
المؤمنين المخلصين قليل جدًّا، وأن أكثرهم فاسق: إما كافر، وإما منافق.
قوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ)
«فإن قيل» : كيف يصحُّ ذلك مع أنه قد يُرى من أهل الكتاب من لا يكون في مذلة ولا فقر.
قيل: المذلّة هي التي تلزمهم ليس يجب أن تُعتبر في الأشخاص
ولا في الأعراض الدنيوية من الجاه والمال، بل يجب أن يُعتبر ذلك
بالأحوال الشرعية، والعز والذل الحقيقيين، اللذين يقتضيهما الدين.
وإياه قصد بقوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
وقد قيل: كل عز مصيره إلى ذل فهو ذل، وما يتصوره بعض الناس عزًّا من غرور الدنيا فهو المذلة عند التحقيق.
وكذلك المسكنة ليست قلة المال، وإنما هي الحرص، وفقر النفس.
ولهذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"الغنى غنى النفس"
وقيل لحكيم: هل لفلان غنى؟
فقال: أما الغنى فلا أدري، إلا أن له مالًا كثيرًا.
وقال الشاعر:... قد يكثر المال والإِنسانُ مفتقر.
وقيل: إن ذلك على سبيل الدعاء عليهم، كقوله تعالى: