فهرس الكتاب
(قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، وقوله: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) .
وهذا في الحقيقة يرجع إلى الأول، فالدعاء من الله واجب.
«إن قيل» : لم قال: (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ)
فأعاد ذكر الحبل، وفصل؟
قيل: لأن الكافر يحتاج إلى حبلين أي عهدين، عهد من الله.
وهو أن يكون من أهل كتاب أنزله الله، وإلا لم يكن مقرًّا على دينه بالذمة، ثم يحتاج إلى حبل من الناس، أي أمان وعهد يبذلونه على ما بيّنه الفقهاء.
والناس هاهنا خاص للمسلمين.
«إن قيل» : كيف قال: (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) ، ولا يصح في الإِثبات
أن يقال: اعتصمت إلا بحبل فلان، والاستثناء في الإِثبات لا يكون
إلا من لفظ عام؟
قيل: إن قوله: (أَيْنَ مَا ثُقِفُوا) مقتضٍ لمعنى العموم، كأنَّه قيل: بكل حال، فيصح أن يقال: إلا بحبلٍ.
قوله تعالى: (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ(114)
المسارعة والمبادرة والعجلة تتقارب، لكن السرعة أعمها
والمبادرة لا تكاد تستعمل إلا في البدن، والعجلة أكثر ما
تستعمل فيما يتحرى عن غير فكر ورويَّة، أو في إمضاء العزيمة
قبل استكمال الروية، ولهذا يقال:"العجلة من الشيطان".
وقال تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)
«فإن قيل» : لو كانت مذمومة لما قال موسى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) .
قيل: موسى عليه السلام أورد ذلك على سبيل الاعتذار إبانة أنه قصد فعلا محمودا، وإن تحرى العجلة فيه، ومن قصد فعلا محمودا فقد يعذر في وقوع ما يكره منه، والمسارعة في الخير هي أن يتدرج الإِنسان في ازدياد العرفة بفضله، واختياره والسرور بتعاطيه، وتقديمه على الأمور الدنيوية، وأن لا تؤخره عن أول وقت إمكان فعله وعلى ذلك قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ، ومدح تعالى قوماً فقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) .