فهرس الكتاب
أي يسابقون بهممهم وأبدانهم، فلذلك كرره، ولمراعاة المسارعة وكون بعض المسارعين أعلى منزلة من بعض، قال تعالى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) ، وبين تعالى في آخر الآية أن فاعل ذلك من الصالحين، والأقرب في (مِن) أن تكون للتبيين.
وأنهم هم الصالحون، ولذلك قال في الأول (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .
«إن قيل» : كيف قال: (رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ) ، وقد قيل: متى هبت الريح لم يؤثر الصِرُّ؟
قيل: في ذلك أجوبة:
الأول: أن كل صر لا ينفك من ريح معه، لكن التي معها الصرُّ ضعيفة بحيث
لا يحُسُّ بحركتها، وإنما تمنع الصرّ إذا تحركت حركة شديدة.
والثاني: أنه تعالى خصَّ ذلك تنبيهاً أن أموالهم بطلت من حيث لم يحتسبوا: كبطلان حرث هؤلاء من حيث لم يحتسبوا، فإنهم كانوا آمنين من الصرِّ لوجود الريح.
والثالث: أنه عنى بالصرِّ صوت الريح وشدة عصوفها، وعنى أنها أصابته الريح ففرقته، كقوله: (كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) ، ونحو هذه الآية في بطلان عمل الكفار قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ) .
قوله تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120)
«إن قيل» : على أي وجه يمنعْ صَبرهم وتقواهم من أن
يضيرهم كيدهم، قيل: من أوجه: الأول: من الفيض الإِلهي
والنصرة الموعود بها في نحو قوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) وقوله: (مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) .
والثاني: أن من عُرف منه الجد أحجم عنه العدو.
كما قال رجل ضئيل أسر رجلًا قويًّا، فسأله أمير المؤمنين: كيف تمكنت منه؟
فقال: وقع في قلبي أني آخذه ولا أبالي بالقتل، ووقع في قلبه أنه مأخوذ وخاف القتل، فنصرني عليه خوفه وجرأتي.
والثالث: أن المتذرّي بالصبر والتقوى تتحمل نفسه الشدائد.
فلا يبالى بمكايدة عدوه.
والرابع: أن الثقة بنصر الله أعظم ناصر.